وَهْمُ احْتِكَارِ السُّنَّة: كيف صَنَعَ التَّعَصُّبُ دِينًا بلا رُوح، وحارَبَ الأَزْهَرَ والتَّصَوُّفَ باسمِ التَّوْحيد
adminaswan
25 مارس، 2026
الخوارج عبر العصور
7 زيارة

بقلم المفكر الإسلامى د. أحمد سليمان أبوشعيشع
أستاذ بجامعة كفر الشيخ، خادم الساحة المنهلية
لم يكن الخطرُ الأكبرُ على الإسلام في تاريخه الطويل قادمًا من خارجه، بل كان – في أزمنةٍ كثيرة – يخرج من داخله، متزيّنًا بشعارات الغيرة على الدِّين، ومتدثّرًا بثوب “السُّنَّة”، ومتحدثًا باسم الله بغير علم، ولا فقه، ولا إذن. فكم من جماعةٍ رفعت راية “التصحيح” فانتهت إلى التفريق، وادّعت حماية العقيدة فمزّقت وحدة الأمّة، ورفعت شعار التوحيد بينما ضيّقت رحابة الإسلام الواسعة إلى فهمٍ واحدٍ ورأيٍ واحدٍ ومنهجٍ إقصائيٍّ واحد (1).
ومن أبرز هذه الظواهر في العصر الحديث: الخطاب الوهابي المتعصّب، الذي قدّم نفسه باعتباره “دعوة إصلاح”، بينما مارس – عمليًّا – مشروعًا قائمًا على التبديع، والتشكيك في الإيمان، ومحاكمة النيات، واحتكار الحق، بدلًا من تزكية النفس، وإصلاح المجتمع، وإحياء مقاصد الدين الكبرى (2).
الدين بين الجوهر والمظهر
ركّز الخطاب الوهابي تركيزًا مفرطًا على المظهر الخارجي بوصفه مقياس التدين:
لحيةٌ بطولٍ محدد،
ثوبٌ أقصر من غيره،
نقابٌ صار معيار العفة،
ومظاهرُ شكليةٌ تحوّلت إلى “هوية عقدية”.
وفي المقابل، غاب الاهتمام الحقيقي بجوهر الدين: تزكية النفس، وإصلاح القلب، وتقويم السلوك، وبناء الأخلاق. مع أنّ القرآن الكريم جعل الفلاح كلَّه معقودًا على هذا المعنى:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9].
وغاب عن هذا الخطاب أن النبي ﷺ حسم هذه المسألة بوضوحٍ لا لبس فيه حين قال:
«إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَا إِلَى أَجْسَادِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (3).
من تزكية النفس إلى تزكية الذات
بدلًا من أن ينشغل هذا التيار بإصلاح نفسه، انشغل بتصنيف الناس:
هذا مبتدع،
ذاك ضال،
هذا أشعري منحرف،
هذا صوفي مشرك،
وهذا أزهري ينشر البدع!
وكأنّ الله فوّضهم وحدهم بالحكم على إيمان الخلق، وكأنّهم امتلكوا مفاتيح الجنّة والنار، في مخالفةٍ صريحةٍ لنصّ القرآن:
﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ ۖ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: 32] (4).
وهنا تحوّل “الدعوة” إلى مشروع إقصاء، وتحولت “السنة” إلى أداة سطوةٍ فكرية، لا سبيل هداية.
تشويه التصوف… وتشويه الأزهر
لم يكن التصوف السُّني يومًا مذهبًا دخيلًا، بل هو علم الإحسان الذي عرّفه النبي ﷺ بقوله:
«أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ» (5).
وحمل لواءه أئمةٌ كبار من أهل السنة:
الجنيد،
والغزالي،
والنووي،
والعز بن عبد السلام،
وابن دقيق العيد.
غير أن الخطاب الوهابي تعمّد خلط التصوف السني الأصيل ببعض الانحرافات التاريخية، ليُسقِط الجميع دفعةً واحدة، ثم وسّع دائرة الاتهام لتشمل الأزهر الشريف، أقدم مؤسسة علمية سنية في العالم الإسلامي، فقط لأنه حافظ على التعدد الفقهي والعقدي، ورفض الانغلاق المذهبي (6).
خوارج العصر: النص بلا فقه
حين نقرأ حديث النبي ﷺ:
«يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ صِغَارُ الأَسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلَامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ» (7)،
ندرك أن الخطر الحقيقي ليس في كثرة النصوص، بل في سوء الفهم، وغياب المقاصد، وتضخم الأنا الدينية.
وتُجسِّد قصة حُرقوص بن زهير – الذي قال للنبي ﷺ: “اعدل يا محمد” – النموذج الأول للعقل المتعصب، الذي يرى نفسه أعدل من النبي، وأفقه من الصحابة، وأقرب إلى الله من سائر الأمة )
بدعة احتكار “أهل السنة والجماعة”
أخطر ما أنتجه هذا الخطاب هو اختزال أهل السنة والجماعة في جماعةٍ حزبيةٍ مغلقة، وإخراج جمهور الأمة وعلمائها عبر القرون من دائرة “السنة”.
قال الإمام مالك رحمه الله:
“كلٌّ يؤخذ من قوله ويُردّ، إلا صاحب هذا القبر ﷺ” (9).
فمن أين جاء هؤلاء باليقين أن الحق حُصِر فيهم، وأن الأمة ضلّت قرونًا حتى جاءوا؟
لو انشغلوا بالإصلاح لكان خيرًا لهم
لو انشغل هذا التيار بتزكية النفوس،
ومحاربة الظلم،
ونشر العدل،
وبناء الأخلاق،
لخدم الإسلام حقًّا.
لكن الواقع يُظهر أنهم ربّوا أجيالًا على السبّ، والتخوين، واحتقار المخالف، حتى صار الخلاف الفقهي معركة، وصار الدين وسيلة استقطاب لا رسالة هداية.
خاتمة
إن الدفاع عن الأزهر الشريف والتصوف السني ليس دفاعًا عن أشخاصٍ أو مؤسسات، بل دفاع عن إسلامٍ وسطيٍّ، عاقلٍ، رحيمٍ، جمع بين النص والروح، وبين الشريعة والحقيقة.
وسيظل الإسلام أوسع من كل جماعة، وأعمق من كل خطاب متعصب، وأبقى من كل فكرٍ يحاول احتكاره.
﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143].
المراجع:
١- مارشال هودجسون، مغامرة الإسلام، ترجمة: إحسان عباس، دار الفكر.
٢- ديفيد كومينز، الدعوة الوهابية وتاريخ المملكة العربية السعودية، ترجمة: عبد الله الفيفي.
٣- صحيح مسلم، كتاب البر والصلة، حديث رقم (2564).
٤- القرآن الكريم، سورة النجم، الآية (32).
٥- صحيح البخاري، كتاب الإيمان، حديث جبريل، حديث رقم (50).
٦- جون إسبوزيتو، الإسلام: الطريق المستقيم، ترجمة: فؤاد شاهين.
٧- صحيح البخاري، كتاب استتابة المرتدين، حديث رقم (3610).
٨- ابن كثير، البداية والنهاية، دار الكتب العلمية.
٩- القاضي عياض، ترتيب المدارك وتقريب المسالك، دار الفكر.