
بقلم : د/ مدحت عــلي أحمد وِربي
المصري الكفراوي الأزهري
تعريف و معنى الأزهر في معجم المعاني الجامع –
أَزْهَرَ: (فعل) أزهرَ يُزهر ، إزهارًا ، فهو مُزهِر.
أزهر النَّباتُ :طلع زَهْرُه أو نبته، بدأ في النّموّ أو التَّفتُّح
أزْهَرَ النارَ وغيرَها: أضاءَها
أزهَرْتَ زَنْدِي: رفعتَ شأني أو قَضيت حاجتي
أزهر النَّجمُ: تلألأ وأشرق وأضاء
أزهرُ: (اسم) ، أزهرُ : فاعل من زَهِرَ ، أزهَرُ: (اسم)
الجمع : زُهْر ، المؤنث : زَهْراء ، و الجمع للمؤنث : زَهْرَاوات و زُهْر.
الأزهَرُ : كلّ لون أبيضَ صَافٍ مشرق مضيء
الأزهَرُ : القمرُ ، والوَجْهٌ أَزْهَرُ : مُشْرِقُ الوَجْهِ
واليوم الأزهر : هو يوم الجمعة .
الأزهَرُ :كل حيوانٍ أو نبات برَّاق اللون مشرق والجمع : زُهْرٌ
الأَزْهَران: الشَّمس والقمر .
الزَّهْراوان: سورتا البقرة وآل عمران .
الزَّهراء: لقب السّيّدة فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم
اللَّيالي الزُّهر: الليالي الثلاث من أول الشَّهر .
والأزهر في اللغة “الأنور” و”المُزهِر” و”الأضوء” و”الأجمل”
و”الأنضَر” و”الأكثر إشراقًا”
لكنها ليست مجرد كلمة تعبّر عن الوضاءة والجمال والنّضارة وحدها؛ بل هو “القيمة والقامة” و”المكان والمكانة” و”الوِجهة والوجاهة” و”القدر والمقدار” و”الدين والدنيا”
وإليك بعض المعاني التي التصقت بالأزهر معالم الجامع الأزهر..
سبب تسمية “الأزهر” بهذا الإسم
اختلفت الآراء حول سبب تسمية الأزهر بهذا الاسم
1- فذهب عدد كبير من الباحثين إلى أنه مستمد من لفظ “الزهراء” لقب السيدة فاطمة ابنة النبي ﷺ، وهي التي يُرجِع الفاطميون نسبتهم إليها.
2-ورأى آخرون أن التسمية ربما جاءت من (القصور الزاهرة) التي بناها الفاطميون بمدينة القاهرة، والتي كانت على مقربة من الجامع.
3-وهناك رأي ثالث يرى أنه من الممكن أن تكون التسمية قد جاءت تفاؤلًا بما سيكون للأزهر من الشأن الكبير في ازدهار العلوم فيه.
4-وهناك رأي رابع يقول إن الأزهر سمي بذلك؛ لأنه جرت العادة عند الفاطميين أن يطلقوا على منشآتهم الدينية أسماءً تَيَمُّنِيَّةً على صيغة أفعل التفضيل، فأطلقوا على جامع الحاكم اسم (الأنور)، وعلى جامع الظافر اسم (الأفخر)، وعلى جامع الآمر بأحكام الله اسم (الأقمر)، فَجَرْيًا على هذه القاعدة أطلقوا على جامع القاهرة اسم (جامع الأزهر) .
وخلاصة القول؛
ليس هناك رأي قاطع في سبب تسمية الأزهر بهذا الاسم، وإن كانت أغلب الآراء تؤيد الرأي الأول الذي يربط بين اسم الجامع واسم السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها ، والجامع في القاهرة بناه جوهر الصِّقلي، وكان منذ قيامه أحد مراكز الفكر الإسلامي وصار حديثًا جامعة تدرس العلوم العصريَّة إلى جانب اللغة والشَّريعة ، وهناك ألاف الجامعات في جميع التخصصات ولكن لا يوجد في العالم غير جامعة الأزهر إلا في مصر المحروسة .
والأزهرالشريف: هو الحصن الحصين، الذي انتصر للغة القرآن ، وتحصّنت به اللغة حتى بلغت ذروة الريادة والسيادة والعظمة.
والأزهرالشريف:
هو القبلة الثانية للمسلمين وطالبي العلم في العالَم؛ يتلمّسون الهدى والرشاد والوعي الإيجابيّ من رموزه وعلمائه.
والأزهرالشريف:
هو سبيل الترقّي روحيًّا وفقهيًّا وسلوكيًّا واجتماعيًّا وأخلاقيًّا، للباحثين عن الرقيّ والتميّز.
والأزهرالشريف:
هو المنهج الأسلم الأوسط في الاعتقاد والفقه والسلوك والفهم ؛ حيث يُؤمّن المسلم من براثن التكفير والعصبية المقيتة والانحرافات السلوكيّة.
والأزهرالشريف:
هو رائد الإصلاح وقائد قاطرة الصمود ضد الغاصب المُحتلّ في كلّ مكان وزمان .
والأزهرالشريف:
هو كعبة المسلمين -كُلّ المسلمين-؛ فلا يؤمن بالحدودية ولا يدين بالشعوبيّة ولا يتعصّب للإقليمية ولا يُؤسَر بالقوميّة؛ رسالته للجميع، وخدماته للكلّ.
والأزهرالشريف:
هو الوسطية في التفكير والحركة والعلاقات باختلاف أنواعها، وسطية لا تنجرف للهاوية، ولا تنحرف عن المرجعية والمصدرية، ولا تتشدّد في منهجيتها وأحكامها.
والأزهرالشريف:
هو الإرث العميق، الذي تركه الأجداد للأحفاد، يُفاخِرون به الدنيا؛ يُقارِب عُمر الرسالة التي جاءت لتعيد للإنسانية بهجتها، وتصحح مساراتها.
والأزهرالشريف:
هو قلعة التعليم الجامع بين مسارات الدين والدنيا، سواء بسواء؛ فلا هو مؤسّسة متقوقعة في صومعة دينية، ولا هو منحرف نحو الدنيا وحضارتها؛ بل الأزهر مؤسسة تعليمية رائدة، جمعت في مسارات العلوم بين الدين والدنيا.
والأزهرالشريف:
هو منارة الهداية في العالم؛ بين طلاب يفدون إليه من جميع الأنحاء، وعلماء يُبتعثون إلى جميع الأنحاء، فالصادر والوارد، الكلّ يبغي هداية للبشرية تلقيًا وإلقاءً.
والأزهرالشريف:
هو صاحب الدور المحوريّ في دعم الوحدة الإنسانية والوطنية والمجتمعيّة؛ فهل في الدنيا من يقوم بدوره من مؤسسات أو هيئات، تعمل على دعم أواصر المحبة والأخوّة مثل الأزهرالشريف.
والأزهرالشريف:
هو التراث والمُعاصرة، هو المعقول والمنقول، هو الأصالة والواقع، هو أصالة المرجعية والمصدر وتطور الوسائل والأساليب في ذات الوقت.
والأزهرالشريف:
هو ناصر الإنسانية، ينشد العدالة والحقوق للمظلومين والمقهورين، هو من سمَى عن كل نزاع يشرد بعيدًا عن حقوق الإنسان؛ فتراه ينصر المستضعفين في كلّ مكان، حتى لو كانوا على غير الإسلام.
والأزهرالشريف:
النموذج الحضاري؛ الذي تأنس به الحضارات المعاصرة، يعكس شمولية وواقعية ومرونة هذا الدين.
والأزهرالشريف:
هو الرمز، فهو رمز التعليم، والتعددية المذهبية، والجمع بين الأصالة والمعاصرة، والحكمة في الأزمات، وهو صاحب رمزية القيادة، ورمزية المواقف، ورمزية الهمّة، ورمزية السعي، ورمزية الحركة للدين، ورمزية المشاركة في بناء الإنسانيّة.
هكذا تعني كلمة (الأزهر) لو كانوا يعقلون!!
لوكانوا يعلمون !!
فمن أراد الصلاح والفلاح له ولأولاده ولأحفاده وذريته فليلتحق فورا بالأزهرالشريف إما دراسة أو متابعة أو دعما أو حبا للأزهر ورجاله، فأكثرالدعاة الصالحين المصلحين من الأزهر الشريف .
الأزهرالشريف:
يعني التعليم العالي الراقي في الدين والدنيا والآخرة وربط الروح بالعقل والنقل بالعقل والدنيا بالآخرة والتعليم في الأزهر الشريف يعني العظمة بأسمي أمانيها .
الأزهرالشريف:
لايوجد إختلاط بين الشباب والبنات .
الأزهرالشريف:
لا يوجد بناطيل مقطعة أومناظر غير لائقة .
الأزهرالشريف:
لا يوجد مكياج أو بنطلونات ضيقة للبنات .
الأزهرالشريف:
لا يوجد زواج عرفي بين الطلبة والطالبات .
الأزهرالشريف:
الطلاب رجال ، والبنات زهراوات حميلات .
الأزهرالشريف:
تجد الطلاب والطالبات يحملون سلاح (114سورة) إنه المصحف الشريف .
الأزهرالشريف:
يقال للطالب وهو في الصف الأول الإبتدائي يا شيخ إنه التقدير من اليوم الأول .
الأزهرالشريف:
يعني العقلية العبقرية الفذة تتحمل أكثر من 22 مادة سنوياً علي رأسها القرآن الكريم .
الأزهرالشريف:
تتعلق به قلوب المسلمين في شتى أنحاء العالم في شوق وعشق ولهفة للدراسة في الأزهر الشريف فلا تجد مسلم أو مسلم ؛ إلا ويتمنى أن يلتحق بالأزهر الشريف أو أن يحصل على منحة للدراسة فيه ليكون عالما أوسفيرا لدولته .
الأزهرالشريف:
كل التعليم متشابه ومتقارب قي جميع الجامعات ولكن في جامعة الأزهرمختلف .
الأزهرالشريف:
هو كعبة العلم وقبلة العلماء وتراث الإسلام وحضارة المسلمين ليقرب من ألف ومئتي عام سيظل بالمجان وبرسوم رمزية لوجة الله فلقد اختص الله مصر بالأزهر الشريف ليكون منارة العلم وخدمة للإسلام والمسلمين، فهو المرجعية الوحيدة للإسلام في العالم
فيا ليت كل العالمين تأزهروا:
وتفقهوا في الدين مثل الأزهري
أنا أزهري ما حييت وإن أمت : فوصيتي للناس أن يتأزهروا .
فقف الآن وانتبه فـ أنت فى حضرة الأزهر الشريف،فقل بقبلك اللهم زد هذا الصرح مهابة و إجلالاً ونفعاً للناس في الدنيا كلها
قال الشاعر وصدق :
يا مصر حسبك من رفيع الشان :شمس العلوم ومنحة الرحمان
الأزهر الميمون بورك خالدًا: شمس الدنا ومنارة الأزمان
فعلينا أن نعرف قدرومقام الأزهرالشريف ؛ هذه المنارة المباركة التي فتح الله بها ولها القلوب والعقول فمنحت الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها بالعلماء الربانين الذين امتازوا عن غيرهم بسعة أفقهم ونوربصيرتهم فاستوعبوا كل الأفكار، وكل التيارات والجماعات فصححوا صحيحها وحاربوا سقيمها.
فرجال الأزهرالشريف الخلص هم الميزان الذين يزن صحيح الأفكار من سقيمها .
ألا فليعلم الجميع أن الأزهر حاضن للمذاهب جميعا ، وشامل ومستوعب لكل فكر باجتهاد صحيح وفق معايير العلماء وقواعدهم ، فهو لا يقصي فكرا له وجه ولا يحارب رأيا له اعتبار،على هذا تعلمنا فيه ، وبذلك نشأنا نحترم كل الأراء ونقبل كل الأفكارالتي لها أصل من كتاب أو سنة ولا نجعل من أنفسنا أوصياء على أحد فالرأي الذي أتبناه صواب يحتمل الخطأ ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب هكذا تعلمنا في الأزهرالشريف
وأساس العلم في الأزهرالشريف ؛
قال الله تعالي وقال رسول الله صلي الله عليه وسلم ، وأراء الصحابة والعلماء المجتهدون من بعدهم مع الاعتماد على باقي الأدلة التي اعتمدها العلماء في استنباط الأحكام .
يقول أمير الشعراء أحمد شوقي :
قُم في فَمِ الدُنيا وَحَيِّ الأَزهَرا: وَاِنثُر عَلى سَمعِ الزَمانِ الجَوهَرا
وَاِجعَل مَكانَ الدُرِّ إِن فَصَّلتَهُ : في مَدحِهِ خَرَزَ السَماءِ النَيِّرا
وَاِذكُرهُ بَعدَ المَسجِدَينِ مُعَظِّماً : لِمَساجِدِ اللَهِ الثَلاثَةِ مُكبِرا
وَاِخشَع مَلِيّاً وَاِقضِ حَقَّ أَئِمَّةٍ: طَلَعوا بِهِ زُهراً وَماجوا أَبحُرا
كانوا أَجَلَّ مِنَ المُلوكِ جَلالَةً: وَأَعَزَّ سُلطاناً وَأَفخَمَ مَظهَرا.
والنداء لجميع أهل مصر :
علماء الأزهر ما عرفناهم إلا ملوكًا، لا أمر فوق أمرهم، ولا كلمة بعد كلمتهم، إذا قال واحدهم لبَّت الأمة، وإذا دعا هبَّ الشعب، وإذا أنكر على الحكومة منكرًا أزالت الحكومة المنكر، وإذا أمرها بمعروف أطاعت بالمعروف، فكانوا هم السادة وهم القادة، وهم أولو الأمر (القوة الناعمة النافعة ) .
هذه حكومة مصطفى فهمي باشا تستجيب سنة 1899م لرغبة الإنكليز في إضعاف القضاء الشرعي، فتضع مشروعها المشهور لتعديل اللائحة الشرعية، وضم اثنين من أعضاء الاستئناف الأهلي إلى المحكمة الشرعية العليا، ويبلغ من ثقتها بقوتها، وتأييد مجلس الشورى لها أن لا تبالي باحتجاج الحكومة العثمانية على المشروع، وتعرضه على المجلس، وكان من أعضائه فضيلة الشيخ حسونة النواوي (الذي جمعت له مشيخة الأزهروفتوى الديارالمصرية)
فيقول كلمة موجزة في إنكار المشروع، وينسحب من المجلس، ويتبعه القاضي التركي، فتكون هذه الكلمة كافية لقتل المشروع، فيردُّه المجلس كله، وتحاول الحكومة إنفاذه على رغمه فلا تجد عضوًا استئنافيًّا واحدًا يقبل الانضمام إلى المحكمة العليا ، عرضت ذلك على الشيخ محمد عبده، وكان من أعضاء الاستئناف الأهلي وسعد زغلول وأحمد عفيفي ويوسف شوقي ويحيى إبراهيم، فأبوا جميعًا، وتنتشر كلمة فضيلة الشيخ في الناس انتشارالنار في يابس الحطب، فتهب الأمة كلها وتؤيده حتى ترضى الحكومة بالهزيمة وتسترد مشروعها ويرفع الأزهر رأسه شامخا.
فرجال الأزهرلا يخشون في الحق لومة لائم، ولا يخافون غضبة ملك جبار:
هذا حسين باشا الجزائري يصل مصر، فيفر منه أمراؤها إلى الوجه القبلي، فيأخذ أموالهم كلها، ولا يرضيه في عتوه وجبروته أن يستولي على عروضهم حتى يسطو على أعراضهم، فيقبض على نسائهم وأولادهم، ويسوقهم إلى السوق ليبيعهم زاعمًا أنهم أرقاء لبيت المال، وكانت الأحكام عرفية، وسيوف الظلم مصلتة، ولواء البغي مرفوعًا، ولكن ذلك لم يمنع علماء الأزهر من إنكار هذا المنكر، ولم يرهبوا بطش الباشا، وهم يرون أن أفضل الشهداء رجل قال كلمة حق عند إمام جائر فقتله بها، فمضوا إليه وتكلم الشيخ محمد أبو الأنوار فقال له: (أنت أتيت إلى هذه البلدة، وأرسلك السلطان لإقامة العدل، ورفع الظلم كما تقول، أو لبيع الأحرار وأمهات الأولاد وهتك الحريم؟
فقال: هؤلاء أرقاء لبيت المال قال: هذا لا يجوز ولم يقل به أحد. فغضب أشد الغضب وطلب كاتب ديوانه، وقال: اكتب أسماء هؤلاء، وأخبر السلطان بمعارضتهم لأوامره. فقال له الشيخ محمود البنوفري: اكتب ما تريد بل نحن نكتب أسماءنا بخطنا).
وكانت النصرة لهم عليه، فأحقوا الحق وأبطلوا الباطل، ووضع الله في قلبه هيبتهم؛ لأن من خاف الله خافه كل شيء.
فكانوا بذلك (أجلَّ من الملوك جلالة) ، وكانت إشارتهم للحكام أمرًا، وطاعتهم عليهم فرضًا، حدَّث الشيخ محمد سليمان [في كتابه الجليل من أخلاق العلماء] أن أباه قدم لطلب العلم في الأزهر أواخرأيام الشيخ إبراهيم البيجوري، فشكا إليه ظلم تلك الأيام، وما كان فيها من السخرة والمعونة، فكتب له ورقة بمساحة إصبعين، هذا نص ما كان فيها: (ولدنا مدير الدقهلية، رافعه من طلبة العلم يجب إكرامه، خادم العلم والفقراء، الخاتم (إبراهيم البيجوري) فدفعها إلى المدير، فقبلها ووضعها على رأسه، ودفعت عنه هذه الورقة كل مظلمة، وأنالته كل مكرمة، ورفعت قدره عند المدير وعند الناس.
وكان الشيخ الأزهري
موقرًا في الجامع وفي البيت وفي السوق، ومبجلًا عند الطلبة والعامة والحكام، وكان أقصى أمل الطالب أن يخدم الشيخ، وأن يحمل له نعله، وإذا سبه عد سبه إكرامًا، وتحمَّله مسرورًا، ورآه من أسباب الفتوح.
وكان الطالب الأزهري
المجاوريذهب إلى بلده في العيد أو في الإجازة، فتقبل البلد كلها عليه يقبلون يده، …. ويشم فيه عبق الأزهر، ويكون المرجع لأهله في الجليل من شؤونهم والحقير، ويكون فقيههم، والحاكم بينهم في أمورهم ، لا مرد لحكمه، ولا اعتراض عليه؛ لأنه يحكم بشرع الله، ويبين حكمه في فتواه.
هذا ما عرفناه، فما الذي جرى حتى تبدلت الحال…؟
ما الذي نزع هيبة المشايخ من القلوب، وأنزلهم من مكانتهم عند الحكام؟
أقول:
أنتم أيها الأزهريون فعلتم هذا كله !
أنتم تنكبتم سبيل أسلافك
فما الشيخ اليوم شيخ الأزهري القرآني الرباني ، ولكنه مجرد موظف محاضر
وما التلميذ
مريد طيع محب للعلم والعلماء ، ولكنه مشاكس مشاغب، وما جاء ليطلب علمًا ولكن يبتغي شهادة، أنتم تكبرتم على مشايخكم وعلمائكم ، وعلمتم الناس الثورة عليهم والتكبر عليهم ، أنتم أيها الطلاب، أنتم مددتم أيديكم إلى مدرسيكم فجرأتم هؤلاء أن يمدوا أيديهم …، أنتم أطلقتم ألسنتكم فيهم فشجعتم هذه الصحف أن تتطاول عليهم وآثرتم الحزبية على الأزهر وشيخ الأزهر
أنتم أيها الأزهريون ابتعدتم عن أصولكم الأزهرية الخالصة فعليكم العودة ، لقد كان الأزهر لله، فصار للناس، وكان للآخرة فغدا للدنيا، وكان يجيئه الطالب يبتغي العلم وحده، يتبلغ بخبز الجراية، وينام على حصير الرواق، ويقرأ على سراج الزيت، ولكنه لا ينقطع عن الدرس والتحصيل من مطلع الفجر إلى ما بعد العشاء، ينتقل من شيخ إلى شيخ، ففي كل ساعة درس، ولكل درس كتاب، ولكل كتاب ساعة للتحضير والمراجعة، لا يدع الدرس إلا للصلاة في المسجد، صلاة خشوع وتبتل، أو للأكل فيه، أكل قناعة وتقشف، أو لشرب العرقسوس ، هذه ملذاتهم من دنياهم، لا يخرجون من المسجد إلا عصر الخميس، يخرجون إلي الرياض والحياض للاستجمام والاستحمام ، ولا يأملون من العلم مالًا
وقد كان أقصى مرتب الشيخ الأزهري إلى عهد قريب ثلاثة جنيهات فقط في الشهر، ولا يبلغها إلا نفر قليل، وكانت نفوسهم على القناعة، وعودوها الصبر وألزموها الرضا، وأورثهم هذا الفقر عزة في نفوسهم: …..
فلم يكونوا يحفلون أحدًا من أبناء الدنيا؛ لأنهم لم يتذوقوا لذتها حتى ينافسوا فيها، ولم يميلوا إليها حتى يتزلفوا إليهم من أجلها، كسروا قيودها وتخلصوا من رقها، وهانت عليهم وهان أهلها، هذا هو اللورد كرومر، وما أدراك ما اللورد كرومر؟!
يدخل على الشيخ محمد الأنبابي شيخ الأزهر، ويسلم عليه، فيرد الشيخ التحية وهو قاعد، فيعظم اللورد قعوده، ويقعد إلى جنبه، فيقول له مغضبًا: يا سيدنا الشيخ، ألست تقوم للخديوي؟
قال: نعم.
قال: فلم لم تقم لي؟
قال: إن الخديوي ولي الأمر، وأما أنت فلست منا. فيزيد ذلك اللورد إجلالًا له، ويكتبه في أحد تقريراته لحكومته.
كذلك كانوا، زهدوا في الدنيا فجاءتهم الدنيا، وأعرضوا عنها فأقبلت عليهم، وهابوا الله فهابهم الناس، فكيف حالكم اليوم يا إخواننا الأزهريين؟
يا إخواننا
إن هذا الأزهر المعمور، لبث خمسمائة سنة من عمره، وهو منار العلم المفرد في الدنيا لولا الأزهرالشريف لتاهت في ظلمات الجهل، وهو حارس الدين واللغة، فالعودة حتي لا ينطفئ المنار، ونترك الدنيا للظلام وللصوص.
يا إخواننا
ما عاش الأزهر، ولا عز بالعلم وحده، وما العلم بلا عمل؟ ولكن عز بالتقوى وبالعمل وبالخلق المتين.
فلقد كانت لعلماء الأزهر أخلاق لا أقول ضاعت، ولكن اختفت عن الناس، تلك الأخلاق كانوا يجلون مشايخهم فيجلهم الناس كلهم، هذا هو الشيخ الباجوري شيخ الجامع كان يجلس بعد المغرب في الصحن فيقبل عليه العلماء والطلبة يقبلون يده، وكان الشيخ مصطفى المبلط وهو أكبر منه، ناظره في طلب المشيخة ولم ينلها، يندس فيهم ويقبل يد الشيخ، فانتبه إليه مرة، فأمسك به وبكى وقال: (حتى أنت يا شيخ مصطفى؟ لا لا.
فقال الشيخ مصطفى: نعم. وأنا! لقد خصك الله بفضل وجب أن نقره، وصرت شيخنا فعلينا أن نوقرك).
وكانوا يقدمون العلم على المنصب، ويعرفون لأهله حقهم، هذا هو الشيخ الشربيني شيخ الجامع الأزهر يدخل مع الطلبة على الشيخ الأشموني حتى يلثم يده، وكان الأشموني ربما قال له: إزيك يا عبد الرحمن؟ فيكون الشيخ كأنما حيَّته من فرحته بذلك الملائكة.
ولم يكونوا يدعون للعدو ثغرة يدخل منها إليهم، ويجعلون خلافهم إذا اختلفوا بينهم، هذا هو الشيخ الأمير كانت بينه وبين الشيخ القويسني جفوة بلغت الحاكم، وزاره الأمير فسأله عنها، وأوهمه أن القويسني أخبره بها، وكان يريد معرفة حقيقتها ليزيلها، فقال الشيخ الأمير: ليس بيننا إلا الخير، وما أظن الشيخ القويسني حدثك بشيء من هذا. وأثنى عليه ومدحه، ونزل من عند الحاكم فمر به على ما كان بينهما، وأنبأه بما كان فقال القويسني: صدقت في ظنك ما قلت للحاكم شيئًا. قال الشيخ الأمير: هكذا أهل العلم يسوون أمورهم بينهم.
أما مظهرهم
فيجب أن يكون قدوة في التآلف إمساكًا على عروة الإسلام، وحفظًا لكرامة العلم، وزال بذلك ما كان بينهما ، فيا إخواننا الأزهريين،
سألتكم بالله ارجعوا بالأزهر إلى سبيله التي درج عليها، أعيدوه سنته الأولى، أفيضوا عليه الدين والتقوى، والتقوى روح العلم، فإن فارقته كان جسمًا بلا روح، أحيوا فيه أخلاق الأسلاف، ليكن لكم تقاهم وزهدهم، فتكون لكم عزتهم ومكانتهم، حفظ الله تعالي مصرنا الحبيب وأزهرنا المعمور الجامع والجامعة وأخذ الله بأيدينا إليه أخذ الكرام عليه اللهم أصلح الراعي والرعية ، واهدهم الي كلمة سواء تصرف بها عنهم الشـر والبـلية ، واحفظهم من أهل الخبث وسيئ النيـة، يا من أنت أعلم بكل خفية .
صوت الأزهريين