الترك لا يفيد التحريم ولا البدعية هل تَرْكُ النَّبيِّ ﷺ يُنشئ حُكْمًا؟
adminaswan
24 مارس، 2026
الأزهر والدعوة
15 زيارة

الشيخ : أشرف سعد الأزهرى
الترك لا يفيد التحريم ولا البدعية
هل تَرْكُ النَّبيِّ ﷺ يُنشئ حُكْمًا؟
هل عدمُ فِعْلِ رسولِ الله ﷺ لأمرٍ معيَّنٍ يعني عدمَ جوازِ فِعْلِ هذا الأمر أو بدعيَّته؟
وهل عدمُ فِعْلِ السَّلفِ الصَّالحِ لأمرٍ ما يجعلُه من البدعِ؟
من المعلوم من خلال تتبُّع سِيرة النَّبيِّ ﷺ أنَّه صلواتُ الله وسلامُه عليه لم يفعلْ جميعَ المباحاتِ الشَّرعيَّةِ ولم يباشرْها بنفسِه ﷺ؛ وذلك لأسبابٍ منها: أنَّها كثيرة جدًّا لا يستطيعُ بشرٌ أنْ يُحصيَها فضلًا عن أنْ يفعلها، ولأنَّ رسولَ الله ﷺ كان أزهدَ النَّاسِ في الحياة الدُّنيا ومتاعِها، وكان يَقتصرُ من المُباحِ على ما يَسدُّ الحاجةَ فقط ويترك ما فوقَ ذلك، فمَنْ زعمَ أنَّ حُرْمةَ شيءٍ أو بِدعيَّته تأتي من عدم فِعْلِ رسولِ الله ﷺ له أو مباشرتِه له بنفسِه فقدِ ادَّعى ما لا دليلَ عليه، ودعواهُ هذه باطلةٌ.
والدَّليلُ على ذلك أنَّ تَرْكَ رسولِ الله ﷺ فِعْلَ شيءٍ لا يدل على حُرمة هذا الشَّيء أو بدعيَّته ما لم يصحبْ هذا التَّركَ نصٌّ على كون المتروكِ محظورًا أو محرَّمًا، فيجبُ أن يكون بجانبِ التَّركِ بيانٌ وتوضيحٌ من رسولِ الله عليه الصَّلاة والسَّلام يفيدُ أنَّ الفعلَ نفسَه محرَّمٌ ممنوعٌ، وغايةُ ما يمكن أنْ يُستفاد من تَرْكِ النَّبيِّ ﷺ لشيءٍ ما هُو أنَّ تركَ ذلك الفعلِ مشروعٌ ومُباحٌ ولا حرجَ في تَركِه إنْ أردْتَ أنْ تتركَه، ولم يأتِ في حديثٍ أو أثرٍ أنَّ مجرَّد تَرْكِ النَّبِيِّ ﷺ لشيءٍ يجعله حرامًا أو مكروهًا.
وحتَّى يكون الأمرُ محرَّمًا شرعًا لابدَّ فيه من وُرودِ أحدِ هذه الأمور؛ إمَّا النَّهيُ، أو لفظ التَّحريمِ، أو ذمُّ الفعل، أو التَّوعُّد عليه بالعقاب، أو دخوله تحت قاعدةٍ شرعيَّةٍ تقتضي تحريمَه، أو قرينة تدلُّ على التَّحريم، فقد قال اللهُ تعالى: ﴿ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا ﴾ [الحشر: 7].
ولم يقل سبحانه: وما تركه فانتهوا. فلابدَّ من وُجود قولٍ صريحٍ حتَّى يتمَّ التَّحريمُ.
وانظرْ إلى قول النَّبيِّ ﷺ: «ما نهيتُكمْ عنه فاجتنبُوه وما أمرتُكُم به فافْعلُوا منه ما استطعتُمْ، فإنَّما أَهلَكَ الَّذين من قبلِكم كثرةُ مسائلِهم واختلافُهم على أنبيائِهمْ»
متَّفق عليه؛ أخرجه البخاريُّ في كتاب الاعتصام بالكتاب والسُّنة، باب الاقتداء بسننِ رسول الله ﷺ (7288)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب توقيره ﷺ وترك إكثار سؤالِه عمَّا لا ضرورةَ إليه أو لا يتعلق به تكليفٌ وما لا يقع ونحو ذلك (1337) من حديث أبي هريرة ، واللَّفظ لمسلم
فهذا قول النَّبيِّ ﷺ: «ما نهيتُكمْ عنه فاجْتنبُوه». ولم يقل: وما تركتُه فاجتنبُوه. فكيف يدلُّ التَّركُ على التَّحريم؟! ولم يذكرْ أحدٌ من أئمَّة عِلمِ الأصولِ في قواعِدِه أو فُروعِه أنَّ التَّركَ دليلٌ على التَّحريم، فالتَّركُ من غير بيانٍ يصاحبُه كالسُّكوتِ تمامًا.
ومما سبق يتَّضحُ لنا أمرٌ هامٌّ وهو أن َّ عدمَ فِعْلِ رسول الله ﷺ لأمرٍ ما أو عدمَ فِعْلِ السَّلفِ الصَّالحِ له لا يعني الحُرمة والبِدعيَّة، فمجرَّد التَّرك للفعل ما لم يَصْحَبْه دليلٌ لا يمكن أن نَستنبطَ منه حُكمًا بالحُرمةِ أو البِدعةِ.
وللإمام الشَّيخ المحَدِّث عبد الله بن الصدِّيق الغُماريِّ كلامٌ يوضِّحُ هذه المسألةَ بجلاءٍ، ومنه هذه الأبياتُ:
التَّركُ ليسَ بحجَّةٍ في شرعِنا لا يَقتضي منعًا ولا إيجابَا
فَمَنِ ابْتَغَى حَظْرًا بتَرْكِ نبيِّنا ورَآهُ حُكْمًا صادقًا وَصَوابَا
قَدْ ضلَّ عن نَهْجِ الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا بَلْ أَخْطَأَ الحُكْمَ الصَّحِيحَ وخَابَا
لا حَظْرَ يُمْكنُ إلَّا إِنْ نهيٌ أَتَى مُتوَعِّدًا لمُخالِفِيهِ عَذَابَا
أَوْ ذَمُّ فِعْلٍ مُؤْذنٌ بِعُقوبةٍ أَوْ لَفْظُ تحريمٍ يُواكبُ عَابَا
انظر: إتقان الصنعة في تحقيق معنى البدعة(1/96).
فهناك اتِّفاقٌ من علماء المسلمينَ أنَّ مجرَّد التَّرك ليس طريقًا للاستدلالِ بمفردِه، وإنَّما طريق العلماء لإثباتِ حكمٍ شرعيٍّ بالوُجوب أو النَّدبِ أو الإباحةِ أو الكراهةِ أو الحرمةِ هو:
1- ورودُ نصٍّ من كتاب الله.
2- وُرودُ نصٍّ من سُنَّة رسولِ الله ﷺ.
3- الإجماعُ على الحُكْم من العُلماء.
4- القياسُ.
هذا، وقد أوردَ العلماءُ طرقًا أخرى لإثباتِ الحكمِ الشَّرعيِّ منها:
الحديث الضَّعيفُ، والحديثُ المرسَل، وقول الصَّحابي، وسدُّ الذَّريعة، وعَملُ أهل المدينة، والاستحسانُ، ففي كل المسالك وغيرها الَّتي اعتبرَها العلماءُ طريقًا لاستنباطِ الأحكام الشَّرعيَّةِ لم يكن من بينها التَّركُ وحدَه أبدًا، فلا يمكنُ أن تأتيَ طائفةٌ بعد ذلك وتزعم أنَّ مجرَّدَ عدم فِعْلِ رسولِ الله ﷺ لأمرٍ وتركِه له أو عدم فِعْل السَّلفِ الصَّالحِ يُدخله في مجال المحرَّمِ أو البدعةِ، فالتَّركُ لا يُفيدُ حُكمًا شرعيًّا بمُفردِه، وهذا محلُّ اتِّفاقٍ بين المسلمين، وهناك مِنَ الشَّواهدِ والآثار- كما سيأتي- ما يدلُّ على أنَّ الصَّحابةَ رضوان الله عليهم أو السَّلفَ الصَّالحَ في القرون الخيريةِ قد فَهِمُوا أنَّ تركَ رسولِ الله ﷺ لا يقتضي أنْ يكونَ المتروكُ ممنوعًا أو مُحرَّمًا أو من البدعِ، ما دامَ لم يصحبْ هذا التَّركَ بيانٌ أو قولٌ يوضِّحُ الحرمةَ.
وهناك أحاديثُ واردةٌ عن رسول الله ﷺ تؤكِّد هذا المعنى:
1- ما رواه البزَّارُ والطَّبرانيُّ والدَّارقطنيُّ بالسَّندِ عن أبي الدَّرداء رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ: «مَا أحلَّ اللهُ في كتابه فهو حلالٌ وما حرَّمَ فهو حَرامٌ، وما سَكَتَ عنه فهو عفوٌ، فاقْبلُوا من الله عافِيتَه، فإنَّ الله لم يكنْ لينسَى شيئًا، ثمَّ تلا: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا ﴾» [مريم: 64]
أخرجه البزَّار في مسنده (4087)، والطَّبراني في مسند الشاميين (2102)، والدَّارقطني في سننه (2066)، والحاكم في مستدركه (2/375)، والبيهقي في السُّنن الكُبرى (10/12) من طُرقٍ عن عاصم بن رجاء بن حَيْوَة عن أبيه عن أبي الدرداء به مرفوعًا. وقال البزَّار: «إسنادُه صالح». وقال الحاكم: «صحيحُ الإسناد ولم يخرِّجاه»، ووافقه الذَّهبيُّ
2- وما رَواهُ الدَّارقطنيُّ بسندِه عن أبي ثعلبة الخُشَنيِّ رضي الله عنه عن رسولِ الله ﷺ قال: «إنَّ الله فَرَضَ فرائضَ فَلا تُضيِّعوها، وحرَّمَ حُرُماتٍ فلا تَنتهكُوها، وحدَّ حُدودًا فَلا تَعْتَدُوها، وسَكتَ عن أشياءَ من غير نِسيانٍ فلا تَبْحثُوا عنها»
أخرجه الدَّارقطنيُّ في سننه (4396)، والحاكمُ في مستدركه (4/115) من طريق داود بن أبي هند عن مكحول عن أبي ثعلبة الخُشَني به مَرفوعًا. وسكت عنه الحاكم وكذا الذَّهبي.
فهذه الأحاديثُ دلالتُها صريحةٌ على أنَّ الرَّسولَ ﷺ قد بيَّن أمرَ الحلالِ والحرامِ، وأنَّ الحرامَ هو ما ورد نصٌّ بتحريمه، أو دلَّتِ الشَّريعةُ على تحريمِه باستعمالِ الأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ بلا تعسُّفٍ ولا تكلُّفٍ.
وممَّا يدلُّ على أنَّ تَرْكَ الرَّسولِ ﷺ قد يكون لأسبابٍ أخرى غير التَّحريمِ ما رَواه البخاري ومسلمٌ عن خالد بن الوليد أنَّه دخلَ مع النَّبِيِّ ﷺ بيتَ ميمونة فأُتي بضبٍّ محنوذٍ، فأهوى إليه رسولُ الله ﷺ بيده فقيل: هو ضبٌّ يا رسولَ الله، فرفع يدَه فقلتُ: أحرامٌ هُو يا رسولَ الله؟ فقال: «لَا، ولكنْ لم يَكنْ بأرضِ قومي فأجدُني أعافُه». قال خالدٌ: فاجتررتُه فأكلتُه، والنَّبيُّ ﷺ ينظر فلم ينهني
متَّفق عليه؛ أخرجه البخاريُّ في كتاب الذبائح والصَّيد، باب الضب (5537)، ومسلم في كتاب الصيد والذبائح وما يُؤكلُ من الحيوان، باب إباحة الضب (1946)
وضب محنوذ أي: ضب مَشوي.
فتَرْكُ النَّبيِّ ﷺ هنا سببُه أنَّ نفسَه لم تقبل لحمَ الضَّبِّ، ولكن مع هذا فإنَّ خالدًا قد تناوله فأكلَه، فهو حلالٌ له ولجميعِ المسلمينَ، وهذا الحديثُ دليلٌ للقاعدة التي تقول: إنَّ تَرْكَ الشَّيءِ لا يقتضي تحريمَه كما قال أهلُ العِلْم، ولم يأتِ في حديثٍ ولا أثرٍ تصريحٌ بأنَّ النَّبيَّ ﷺ إذا تركَ شيئًا كان حرامًا.
وفِعْلُ سلفِ الأمَّة يشهدُ أنَّ تَرْكَ النَّبِيِّ ﷺ لفعلٍ لا يجعلُه من المحرَّماتِ أو البدعِ، فقد وردتْ عن الصَّحابةِ والتَّابعين أفعالٌ وعباداتٌ لم يفعلها رسولُ الله عليه الصَّلاة والسَّلام؛ فمن أصرَّ بعد هذا البيان على إلزام النَّاس بالتقيُّد بما قد ورد والنَّهيِ عمَّا دونَ ذلك من أفعالٍ وأقوالٍ لها شواهدُ في الشَّريعةِ تشهدُ لها وأصولٌ ترجع إليها وقواعدُ عامَّة تندرج تحتَها، فبدَّعَ وشنَّع على المسلمينَ في أمر قُرُباتهم وتعبُّدِهم لله سبحانه وتعالى- فقد تشدَّدَ وتعنَّت وقال في دين الله برأيه، فضَيَّقَ على المُسلمينَ ما وسَّعه الله من أمورِ الدِّين والدُّنيا؛ ولذلك ليسَ لأحدٍ أن يحتكرَ الحقَّ أو ينسبَ لنفسِه أنَّ مذهبَه هو مذهبُ أهل السُّنَّةِ والجماعةِ وأنَّ الحقَّ هو قولُه وقولُ طائفتِه ومَنْ يتبعهم، وأنَّ سائر علماء الأمَّة وأتباعِهم أهلُ ضلالٍ وبدعٍ.
ونقولُ أيضًا لمن أُصيبَ بالجُمودِ على رأيه: إنَّ لك أنْ تعتقدَ ما تشاءُ من بدعيَّةِ أمرٍ أو عدم بدعيَّته ما دام هذا على المستوى الشَّخصيِّ، ولكن ألا ترى أنَّه من حقِّ الآخرينَ أيضًا- بِناءً على اتِّباع علماء الأمَّة من أئمَّةِ المذاهب الفقهيَّة على مرِّ السِّنين- أنْ تتعبَّدَ لله وتتقرَّب إليه بأقوالٍ أو أفعالٍ تندرجُ تحتَ أصولِ وقواعدِ الشَّريعة العامة حتَّى وإنْ لم تكنْ على عهد رسول الله ﷺ أو على عهد السَّلف، فلئن كنتَ غيرَ مقرٍّ لفعل غيرِك فلا أقلَّ من أن تجعل مثل هذه الأمورِ من الخلافات الَّتي يسعُ جميعَ المسلمين قبولُها والتَّعايشَ معها بحيثُ لا نُدخلها في باب التَّبديعِ والتَّفسيقِ، وليس في ذلك دعوى لفَتْحِ بابِ البدعِ والعياذ بالله؛ وإنما هُو عبارةٌ عن وَضعِ الأمور في نِصابها والتَّعاملِ معها حسبِ علوم الشَّرعِ الحنيفِ وديننا السمح.
إذنْ فأفعالُ الخير والعبادات الَّتي لها أصول في الشَّريعة تندرِجُ تحتها لا تكونُ من البدعِ أبدًا؛ حتَّى ولو لم تكنْ على عهدِ رسول الله ﷺ، لكنَّ المشكلة- كما ذكرنا- فيمَنْ يَتسرَّعُ في رَمي النَّاس بالبدعةِ ويصدُّ عن سبيلِ الله بطريقٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ، فنجدُه يشوِّشُ على المسلم في عِبادتِه أو أذكارِه أو صلواتِه التي يلتزمُ بها ويتقرَّبُ بها إلى ربِّه عندما يقولُ له: إن ما تفعله بدعةٌ وغيرُ جائزٍ وضلالةٌ… إلخ. فيترك ذلك الإنسان القربات والطَّاعات بالكليَّة خَشْيةَ الوقوعِ في البدعةِ والإثمِ.
فإذا كنت أخِي الكريم تفعل شيئًا من الطَّاعات والقربات التي يهاجمها من ليس له من العلم نصيب فلا تَقُلْ عنها إنَّها بدعة وتتركها، بل هو بإذن الله يرجع إلى أصلٍ موجودٍ في الشريعة، وتنطبق عليه الأحكامُ الخمسةُ التي ذكرناها، كما أنَّه لا يُمكنُ معرفتُك بهذا الأمر إلَّا بعد سؤال أهل العلم الموثوقِ فيهم، المتمثلين من قبل الهيئاتِ المعروفةِ الَّتي لها ثِقلٌ وتاريخٌ علميٌّ.
ومع كلِّ ما ذكرنا ينبغي علينا عدمُ التَّسامُحِ فيما أجمع عليه المُسلمونَ من أنَّه بدعةٌ ويجبُ علينا عدمُ فعلِه وتحذير المسلمينَ منه، أمَّا ما وسعتْه دائرةُ الشَّريعة وسماحتُها ومقاصدُها فلنقبل به حتَّى وإن لم نكن نفعلْه، ولكنْ أنْ نجعلَ من كلِّ جزئيَّةٍ من الفُروعِ ذاتِ الأدلَّة الظنيَّةِ قضيَّةً كبرى للنِّزاعِ والتَّفريقِ وشقِّ الصُّفوفِ فإنَّ هذا لا يَرضاهُ الله ولا رسولُه.
….. وللحديث بقية إن شاء الله