سلطان المحبين والعاشقين سيدي ابن الفارض المتوفى 632هـ بين العلماء والجهال
adminaswan
9 أبريل، 2026
منوعات
19 زيارة

د/ إبراهيم شعبان المرشدي الأزهري
زعم بعض العلماء قديمًا، ووافقهم الوهابية جميعًا على أن ابن الفارض رحمه الله تعالى ممن يقول بالاتحاد والحلول، واستدلوا على ذلك بظاهر بعض عباراته، دون فهمها على وَفْقِ طريقة أهل الله تعالى.
وسوف نبين الجواب عن هذا ونكشف عن موقف العلماء من ابن الفارض رضي الله عنه.
فهو الإمام اللغوي الأديب عمر بن علي بن مرشد بن علي الحموي الأصل، المصري المولد والدار والوفاة، أخذ الحديث عن الحافظ ابن عساكر، وأخذ عنه الحافظ المنذري وغيره، ثم حُبِّبَ إليه سلوك طريق الصوفية، فتزهَّدَ وتجرَّدَ، وجعل يأوي إلى المساجد المهجورة في خرابات القرافة بالقاهرة وأطراف جبل المقطم، وذهب إلى مكة في غير أشهر الحج، فكان يصلي بالحرم، ويكثر العزلة في وادٍ بعيدٍ عن مكة، وفي تلك الحال نظم أكثر شعره، وعاد إلى مصر بعد خمسة عشر عامًا، فأقام بقاعة الخطابة بالجامع الأزهر الشريف، وقصده الناس بالزيارة، حتى إن الملك الكامل كان ينزل لزيارته.
ولي عدة تعليقات يسيرة تكشف لك عن حال الإمام ابن الفارض رضي الله عنه ألخصها لك في نقاط لتعرف مكانته في العلم والدين:
الأولى: تتلمذ على يديه كبار أئمة العلم في زمنه: فذكره الحافظ أبوبكر ابن مسدي الغرناطي في “معجم شيوخه”، وأثنى عليه، وذكره الإمام الرشيد العطار في “مشيخته” وأثنى عليه ومدحه، وذكره الإمام الحافظ المنذري في معجم “شيوخه” وأثنى عليه، وكذا شهاب الدين ابن الخيمي اليمني، وغيرهم.
وهذا وحده كفيل بالجواب عما صدر من كلام ظاهره المخالفة، إذ كان كبار أئمة الحديث يعظمونه ويجلونه ويدعونه في طبقة شيوخهم وهم أعلم الناس بكلامه وحاله، فتأمل.
ولي هنا وقفة:
لم نسمع قط أن أحدًا ممن عاصره اتهمه بشيء او طعن فيه بشيء، بل حدث سوء الفهم لكلامه في كتبه بعد ذلك!
الثاني: تعاهد العلماء قصائده وشعره في مجالسهم: فكان شمس الدين الحنبلي المتوفى 675هـ يبكي إذا شرح تائية ابن الفارض كما يذكر ابن شاكر في “فوات الوفيات (3/ 428)”.
ويذكر الصلاح الصفدي في “الوافي بالوفيات” (2/ 726) في ترجمة قاضي القضاة جلال الدين القزويني المتوفى 743هـ أنه كان يحفظ ديوان ابن الفارض بتمامه.
ويذكر الحافظ السخاوي في “الضوء اللامع” في ترجمة أبي المحاسن الحموي الشافعي المعروف بابن خطيب المنصورية المتوفى 809هـ أنه كان يحفظ تائية ابن الفارض وينشد منها كثيرًا في مجالسه.
ويذكر السخاوي أيضًا في “الضوء اللامع” (4/ 203) عن شيخه أبي العباس ابن الشرف الحسيني القيلوي المتوفى 859هـ فقال: “وكان يُقرئ تائية ابن الفارض، ويترنم بقصائده، ويُقصد بالفتاوي في النوازل الكبار ودونها” ثم يقول عنه الحافظ السخاوي: “ولم يخلف بعده في مجموعه مثله رحمه الله وإيانا”.
وقال الداودي في “طبقات المفسرين” (1/ 46) عند ترجمته للإمام شهاب الدين المعروف بابن الصيرفي المتوفى 905هـ: “وله «كتابة على ديوان ابن الفارض» ونظم أشياء في تائيته، وهو من رءوس الذابّين عن كلامه، الرافعين لأعلامه”. والأمثلة في هذا خارجة عن الحصر.
الثالث: تعاهد العلماء قصائده بالشرح والتأليف: لم يقف الأمر عند قراءة كتبه في مجالس العلم، بل قاموا بالتأليف حولها وشرحها وبيان ما فيها، فكتب الإمام سعيد الدين الكاساني الفرغاني المعروف بالقاشاني المتوفى 699هـ شرحًا على التائية في مجلدتين، وكتب الإمام القاضي سراج الدين الغزنوي الهندي المتوفى 733هـ شرحًا على تائية ابن الفارض، وكتب الإمام شرف الدين القيصري المتوفى 751هـ “شرح الخمرية لابن الفارض”، وكتب الإمام علي ابن الشهاب المسعودي 786هـ: “مشارب الأذواق في شرح الخمرية لابن الفارض”، وكتب الإمام علي بن داود بن سليمان الأصفهاني المتوفى 836هـ: “مرآة الناظرين في شرح منازل السائرين شرح تائية ابن الفارض”، وكتب الإمام محمد أمين بن محمود البخاري المعروف بأمير بادشاه الحنفي المتوفى 972هـ: “شرح تائية ابن الفارض”، وكتب زين العابدين ابن عبد الرءوف المناوي المتوفى 1022هـ “شرح تائية ابن الفارض”، وكتب الحسن الصفوري البوريني الشامي المتوفى 1023هـ “شرح ديوان ابن الفارض”، ولمسند دمشق الشيخ عبد الغني النابلسي المتوفى 1143هـ شرح على حائية ابن الفارض، ولمسند المغرب أبي العباس أحمد بن جعفر الكتاني الفاسي المتوفى 1340هـ: “المدد الفائض على همزية ابن الفارض”، والأمثلة في هذا يصعب حصرها وتتبعها.
حتى قال ابن العماد الحنبلي: “وقد اعتنى بشرحها جمع من الأعيان، كالسّراج الهندي الحنفي، والشمس البسطامي المالكي، والجلال القزويني الشّافعي، غير متعاقبين ولا مبالين بقول المنكرين الحسّاد: “شعره ينعت بالاتحاد”، وكذا شرحها الفرغاني، والقاشاني، والقيصري، وغيرهم، وعلى الخمريّة وغيرها شروح عدة”.
الرابع: أثنى عليه كبار أئمة العلم المتقدِّمين: ومن أشهر هؤلاء: الإمام ابن الصابوني المتوفى 680هـ في “تكملة إكمال الإكمال” (صـ100) ووصفه بالشيخ الفاضل وأثنى على شعره، ثم قال: “وكان جميل الأخلاق، حسن المعاشرة، كثير التواضع، كثير المروءة”.
وقال عنه الإمام أبو العباس ابن خلِّكان المتوفى 681هـ في “وفيات الأعيان” (3/ 455): “وسمعت أنه كان رجلًا صالحًا كثير الخير، على قدم التجرد، جاور بمكة، زادها الله تعالى شرفًا، زمانًا. وكان حسن الصحبة محمود العشرة، أخبرني عنه بعض أصحابه أنه ترنَّمَ يومًا وهو في خلوة ببيت الحريري، صاحب ” المقامات ” وهو:
من ذا الذي ما ساء قط* ومن له الحسنى فقط
قال: فسمع قائلًا ولم يُر شخصه وقد أنشد:
محمد الهادي الذي* عليه جبريل هبط
وترجم له الحافظ ابن كثير الدمشقي المتوفى 732هـ في “المختصر” (3/ 157)
وقال عنه: “وله أشعار جيدة، منها قصيدته التي عملها على طريقة الفقراء”، وذكر في “البداية والنهاية” حط الذهبي عليه،
وأثنى عليه وعلى شعره الإمام ابن الوردي المتوفى 749هـ في “تاريخه”، والإمام أبو محمد اليافعي المتوفى 768هـ في “مرآة الجنان”، وذكره الإمام ابن الملقن المتوفى 804هـ في “طبقات الأولياء” (صـ465)،
وأثنى عليه، وامتدحه الإمام صارم الدين بن دُقماق المتوفى 809هـ في ” نزهة الأنام في تاريخ الإسلام”(صـ66)، ووصفه بـ “الشيخ الصالح الورع الزاهد المحقق”
،وقال عنه الإمام ابن تغري بردي المتوفى 874هـ في “النجوم الزاهرة” (6/ 288): “الصالح الشاعر المشهور، أحد البلغاء الفصحاء الأدباء”
وأثنى عليه الحافظ السيوطي المتوفى 911هـ في “حسن المحاضرة” (1/ 518)، وكذا أبو محمد الطيب الهجراني الحضرمي المتوفى 947هـ في كتابه: “قلادة النحر” (5/ 139)، وابن العماد الحنبلي المتوفى 1089هـ في “شذرات الذهب” (7/ 261)، وأثنى عليه الإمام الشمس الغزي المتوفى 1167هـ في “ديوان الإسلام” (3/ 434).
وخلاصة ما يقال فيه
ما نقله ابن العماد عن العلامة المناوي أنه قال: “ولا أقول كما قال بعض الأعلام سلّم تسلم والسلام، بل أذهب إلى ما ذهب إليه بعضهم أنه يجب اعتقادهم وتعظيمهم، ويحرم النظر في كتبهم على من لم يتأهل لتنزيل ما فيها من الشطحات على قوانين الشريعة المطهّرة، وقد وقع لجماعة من الكبار الرجوع عن الإنكار”.
عصم الله تعالى ألسنتنا وقلوبنا عن الخوض في الصالحين، ووقانا شر الوقيعة فيهم آمين آمين.
ملحوظة:
من أشكل عليه شيء من كلامه فليلتمس معناه من شيخ محقق لكلام القوم أو يقرأ شرحًا مما ذكرنا ليعرف المراد قبل أن يخوض في علماء الأمة بغير علم، والله أعلم.