إِرْوَاءُ الغَلِيلِ وَشِفَاءُ العَلِيلِ فِي الرَّدِّ عَلَى سَفَاهَةِ المَدْعُوِّ وَلِيدِ إِسْمَاعِيل
adminaswan
6 أبريل، 2026
الخوارج عبر العصور
10 زيارة

مقدِّمةٌ في ميزان العلم والنقد
ليس من دأبِ أهلِ التحقيق أن يُلقوا الأقوالَ على عواهنها، ولا أن يُعارضوا المعاني السامية بجهلٍ مُركَّبٍ يُلبَسُ ثوبَ الغيرة، وهو في حقيقته عُريٌ من الفهم، وفقرٌ في أدوات النظر.
فإنَّ من أعظم آفات هذا العصر أن يتصدَّرَ للحديث في مقامات الأولياء وأسرار أهل البيت من لم يذق طعم العلم، ولا شمَّ رائحة التحقيق، فيُنكِر ما لا يُحيط به، ويُكذِّب ما لم تبلغه مداركه، مصداقًا لقوله تعالى:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾.
وقد قرَّر أئمة الفكر الإسلامي – من أمثال محمد فريد وجدي، وأنور الجندي، ومحمد عمارة – أن الجهل حين يقترن بالجرأة يتحول إلى خطرٍ حضاري، لا مجرد خطأٍ فكري؛ لأنه يلبس ثوب الإصلاح وهو يهدم أصول الفهم الصحيح.
✦ أولًا: في بيان معنى “السر” عند أهل العلم ✦
إنَّ قول القائل: “أنا السر الكامن والمستودع فيها” ليس من باب الادعاء الشخصي، ولا من الغلوِّ المذموم، بل هو مصطلحٌ عِرفانيٌّ له جذوره الراسخة في تراث أهل السنة قبل غيرهم.
فالسرُّ في اصطلاح الصوفية والعلماء هو:
ما أودعه الله في بعض عباده من خصائص القرب، وأنوار المعرفة، ولطائف الفهم.
وقد قال الإمام الجنيد:
“لنا علمٌ هو إشاراتٌ لا يفهمها إلا من ذاقها.”
وقال الإمام القشيري في رسالته:
“للقلوب أسرارٌ كما للأبدان أعمال، ومن حُرم السر حُرم الوصول.”
فهل يُنكِر هذا المدعو ما أقرَّه أئمة الإسلام؟ أم يظن أن الدين قد وُلد معه؟!
✦ ثانيًا: هل في السيدة فاطمة رضي الله عنها “سر”؟ ✦
هذا السؤال في ذاته كاشفٌ عن جهلٍ عجيب، لأن النصوص الشرعية والتاريخية تشهد بذلك بوضوحٍ لا لبس فيه.
1. من القرآن الكريم:
قال تعالى في أهل البيت:
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ…﴾
وهذه الآية – كما قرر المفسرون – تدل على خصوصيةٍ إلهية، وطهارةٍ زائدة، وهي من لوازم “السر” لا من نواقضه.
2. من السنة النبوية:
قال النبي ﷺ:
“فاطمة بضعة مني، يريبني ما رابها”
(متفق عليه)
وقال:
“إنما فاطمة سيدة نساء أهل الجنة”
فهل السيادة هنا مجرد لقبٍ لفظي؟ أم مقامٌ باطنيٌّ له حقيقته؟!
3. من أقوال العلماء:
قال الإمام السيوطي:
“خصَّ الله فاطمة بفضائل لم تُعطَ لغيرها.”
وقال ابن حجر:
“وفيها من الشرف ما لا يُدرك مداه.”
فهذا “الشرف الذي لا يُدرك مداه” أليس هو بعينه ما يُعبِّر عنه العارفون بـ”السر”؟!
✦ ثالثًا: جهلٌ بمناهج العلم أم تعمُّدٌ للطعن؟ ✦
إنَّ إنكار “السر” ليس دفاعًا عن التوحيد – كما يُوهِم بعضهم – بل هو:
خلطٌ بين الغلو المشروع والباطل
وجهلٌ بالفروق بين الحقيقة الاصطلاحية والادعاء الباطل
وقطعٌ لسلسلة التراث العلمي الممتدة منذ القرون الأولى
وقد قال محمد فريد وجدي:
“من أخطر أنواع الجهل: إنكار ما لم يُفهم، لا ما ثبت بطلانه.”
فهذا القائل لم يأتِ بدليلٍ علمي، ولا ناقش اصطلاحًا، بل اكتفى بالاستنكار، وكأنَّ الاستنكار حُجَّة!
✦ رابعًا: في تفنيد دعوى “من أين علموا أن بها سر؟” ✦
الجواب بسيطٌ لمن له أدنى إلمام:
بالنصوص الشرعية: التي أثبتت لها مقامًا خاصًا.
بإجماع العلماء على فضلها: والإجماع دليلٌ قطعي.
بالتجربة الروحية عند أهل السلوك: وهي معتبرة عند جمهور العلماء، كما قرره الغزالي وغيره.
بل إن إنكار ذلك يُفضي إلى إنكار مراتب الأولياء كلها، وهو قولٌ لم يقل به أحد من أهل السنة.
✦ خامسًا: الأسلوب يكشف حقيقة القائل ✦
إنَّ من يتأمل عبارة: “أنا السر الكامن…”
فيجدها عبارةً رمزيةً في سياقٍ عرفاني، ثم يُحوِّلها إلى دعوى شخصية، فإنما يفعل ذلك لواحد من أمرين:
عجزٌ عن الفهم
أو رغبةٌ في التشويه
وقد قال أنور الجندي:
“تشويه المصطلحات أخطر من إنكارها؛ لأنه يضلل العامة باسم العلم.”
✦ خاتمة: بين نور الفهم وظلمة الإنكار ✦
إنَّ هذا النوع من الطعن ليس جديدًا؛ فقد سبق أن طُعن في أئمة كبار لأنهم تكلموا بلغةٍ لم يفهمها العوام.
لكن الفرق أن أولئك الأئمة بقوا، وزال الطاعنون.
وصدق الإمام الشافعي إذ قال:
“من تعلَّم العلم ولم يفهمه، كان كمن حمل حطبًا لا نار فيه.”
فليُعلَم أن مقام السيدة فاطمة رضي الله عنها أسمى من أن يُنال بجهل جاهل، وأعلى من أن يُقاس بعقلٍ قاصر، وأن “السر” الذي أودعه الله فيها ليس بدعةً ولا غلوًا، بل حقيقةٌ شهدت لها النصوص، وأقرَّها الأئمة، وذاقها أهل القلوب.
❖ فخلاصة القول:
من أنكر ما ثبت بالدليل، وردَّ ما قرره الأئمة، وتجرأ على مقامات آل البيت بغير علم، فليس بناقضٍ للحجة، بل شاهدٌ على نفسه بالقصور.
✍️❖ تَتِمَّةُ البَيَانِ وَتَثْبِيتُ البُرْهَانِ
فِي أَنَّ بِسَيِّدَتِنَا فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا أَسْرَارًا لَا تُحَاطُ وَلَا تُحْصَر ❖
✦ تمهيدٌ مُحكَم ✦
إنَّ من يُنكر وجودَ “الأسرار” في مقامات الصفوة من عباد الله، كمن يُنكر النورَ لأنَّه لا يُبصِر، أو يجحدُ البحرَ لأنَّه لم يبلغه. وليس الكلام هنا عن خيالٍ صوفيٍّ مُرسَل، بل عن حقائق قرَّرها أئمةُ التفسير والحديث والفقه، وأثبتوها بعباراتٍ صريحةٍ أو لوازمَ علميةٍ لا ينفكُّ بعضها عن بعض.
وإنَّنا – في هذا المقام – لا نبتدع قولًا، بل نجمع شتاتَ ما بثَّه الأئمة، وننظمه في سلكٍ واحدٍ، ليظهر لمنصفٍ أنَّ “السر” ليس ادعاءً، بل نتيجةٌ لازمةٌ لمقامٍ ثبت بالدليل.
✦ أولًا: من تفسير القرآن – حيث تُستمدُّ الأصول ✦
❖ آية التطهير
قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ…﴾
قال الإمام جلال الدين السيوطي في الدر المنثور:
“أخرج مسلم والترمذي وغيرهما أن النبي أدخل فاطمة وعليًا والحسن والحسين تحت الكساء…”
وهذا الإدخال النبوي ليس مجرد تكريمٍ ظاهري، بل إعلانٌ عن اصطفاءٍ باطنيٍّ مخصوص.
وقال الإمام فخر الدين الرازي:
“هذه الآية دالة على عصمتهم من الرجس، وذلك يقتضي مزيدَ الشرف والفضل.”
والعصمة عن الرجس ليست مجرد حكمٍ فقهي، بل حالةٌ روحيةٌ باطنية، وهي عين ما يُعبَّر عنه بالأسرار والأنوار.
✦ ثانيًا: من الحديث وشروحه – حيث تتجلّى المعاني ✦
❖ حديث “فاطمة بضعة مني”
قال سيدنا النبي ﷺ:
“فاطمة بضعة مني…”
قال الإمام يحيى بن شرف النووي:
“فيه بيان شدة اتصالها به ﷺ، وأنها جزءٌ منه في المحبة والكرامة.”
وهذا “الجزء” ليس جسدًا فحسب، بل امتدادٌ روحيٌّ ونورانيٌّ.
❖ حديث “سيدة نساء أهل الجنة”
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري:
“سيادتها تقتضي تميزها على غيرها بخصائص لا تُدرك حقيقتها.”
فتأمَّل قوله: “لا تُدرك حقيقتها”
أليس هذا هو عين القول بأن فيها من الأسرار ما لا يُحاط به؟!
✦ ثالثًا: من كلام الحفاظ – حيث التحقيق والدقة ✦
قال الحافظ نور الدين الهيثمي بعد جمعه لأحاديث فضلها:
“ورد في فضلها أحاديث كثيرة صحيحة وحسنة تدل على علوِّ شأنها.”
وهذا “العلو” إذا اجتمع مع النصوص السابقة، يُنتج يقينًا علميًا بوجود خصائص باطنية زائدة.
✦ رابعًا: من لوازم القواعد الشرعية ✦
قرر العلماء قاعدةً عظيمة:
“كلما عظم الفضل، عظم ما يترتب عليه من الخصائص.”
وهذه القاعدة مطَّردة:
فالأنبياء لهم معجزات
والأولياء لهم كرامات
وأهل البيت لهم خصوصيات زائدة
فكيف بسيدة نساء الجنة؟!
أفيُعقل أن تكون سيادتها اسمًا بلا حقيقة؟!
✦ خامسًا: من أقوال الأئمة في الإشارة إلى الأسرار ✦
قال الإمام السيوطي:
“اجتمعت لفاطمة من المناقب ما لم يجتمع لغيرها.”
وقال ابن حجر:
“فضلها ظاهر، وخصائصها باهرة.”
وقال بعض العارفين:
“فاطمة بابٌ من أبواب سرِّ النبي ﷺ.”
وهذه الأقوال – وإن اختلفت ألفاظها – تجتمع على معنى واحد: أن مقامها فوق المدارك المعتادة.
✦ سادسًا: تحقيق المسألة بمنهج علمي ✦
إذا جمعنا الأدلة:
نصوص تُثبت الاصطفاء والطهارة
أحاديث تُثبت السيادة والاتصال بالنبي ﷺ
أقوال أئمة تُثبت وجود خصائص لا تُدرك
قواعد شرعية تُلزم بوجود آثار باطنية لذلك
فإن النتيجة الحتمية:
أن في سيدتنا فاطمة رضي الله عنها من الأسرار والأنوار ما لا يدخل تحت الحصر.
وهذا ليس غلوًا، بل استنتاجٌ علميٌّ منضبط.
✦ خاتمةٌ فاصلة ✦
إنَّ من يُنكر هذه المعاني، فإنما يُنكر:
دلالة النصوص
ولوازم القواعد
وفهوم الأئمة
ولا يملك إلا الاستغراب بديلاً عن البرهان.
وقد قيل:
“إذا ضاق الفهم، اتسع الإنكار.”
❖ والخلاصة المحكمة:
سيدتنا فاطمة الزهراء رضي الله عنها ليست مجرد شخصية تاريخية تُمدَح بالألفاظ، بل هي مقامٌ إلهيٌّ مُشرَّف، تجلَّت فيه أسرار القرب، وأنوار الاصطفاء، وخصائص السيادة،
ومن حاول اختزال هذا المقام في ظاهرٍ بلا باطن،
فقد جهل الحقيقة، وإن ظنَّ أنه يدافع عنها.
✍️❖ تَتِمَّةُ البَيَانِ فِي تَقْرِيرِ أَنَّ الدُّعَاءَ لَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ وَلَا يُنَاقِضُ أُصُولَ التَّوْحِيد ❖
✦ مدخلٌ فاصِل ✦
ليس كلُّ ما استعجمه الفهمُ يكون باطلًا، ولا كلُّ ما جهلته العقولُ يُحكم عليه بالشرك والضلال؛ فإنَّ من آفات هذا الزمان أن ضاق ميزانُ التوحيد عند بعض الناس حتى صار يُكفِّر بالعبارة، لا بالمعنى، ويُحاكم الألفاظ دون فقه المقاصد.
ولو رجع هؤلاء إلى أصول أهل السنة، لعلموا أن باب الدعاء والتوسل من أدقِّ الأبواب، لا يُفصل فيه بالظنون، بل بالنصوص والقواعد المحكمة.
✦ أولًا: حقيقة الدعاء في ميزان العقيدة ✦
الأصل الذي لا نزاع فيه:
أن الله وحده هو الفاعل، وهو المجيب، وهو المقصود بالدعاء.
لكن وسائل الدعاء تختلف، وقد أجاز الشرع أنواعًا متعددة منها:
الدعاء المباشر
الدعاء بالأعمال الصالحة
الدعاء بطلب دعاء الصالحين
التوسل بأهل القرب والفضل
فإذا ثبتت هذه الأنواع، بطل تضييق واسع الشريعة.
✦ ثانيًا: الدليل الصريح على جواز التوسل ✦
❖ حديث الأعمى المشهور …
روى أن رجلًا ضريرًا أتى النبي ﷺ فقال: ادعُ الله أن يعافيني، فقال له:
“اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة…”
وقد صححه جمعٌ من الأئمة.
قال الإمام جلال الدين السيوطي:
“الحديث صحيح، وفيه دليل على جواز التوسل بالنبي ﷺ.”
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني:
“فيه مشروعية التوسل والاستشفاع.”
فإذا جاز التوسل بالنبي ﷺ، فآلُه داخلون في ذلك من باب أولى من جهة القرب والاختصاص.
✦ ثالثًا: تقرير الأئمة – لا دعاوى العوام ✦
قال الإمام يحيى بن شرف النووي:
“يُستحب التوسل بالنبي ﷺ إلى الله تعالى.”
وقال الحافظ نور الدين الهيثمي:
“الأحاديث الواردة في التوسل كثيرة، وفيها ما هو صحيح.”
فهؤلاء أئمة الحديث والفقه، لم يروا في التوسل شركًا، ولا خروجًا عن التوحيد.
✦ رابعًا: الفرق بين التوسل والشرك – لمن يعقل ✦
إنَّ الخلط بين التوسل والشرك هو أصل الإشكال، والفرق بينهما بيِّن:
التوسل المشروع
الشرك المذموم
سؤال الله بجاه أو مقام
سؤال غير الله استقلالًا
الاعتقاد أن الله هو الفاعل
الاعتقاد أن غير الله يملك الضر والنفع
اتخاذ وسيلة
اتخاذ ندٍّ
فمن قال: اللهم بحق فاطمة
فهو يسأل الله، لا فاطمة.
أما من يظن أن هذا شرك، فقد سوَّى بين الوسيلة والمعبود، وهذا عين الخطأ.
✦ خامسًا: هل في الدعاء المذكور مخالفة؟ ✦
الجواب العلمي:
لا يُخالف نصًّا
لا يُخالف أصلًا
لا يُخالف إجماعًا معتبرًا
بل هو داخل تحت:
باب التوسل المشروع الذي أقرَّه جمهور أهل السنة.
وأما الألفاظ التي فيها إشارات عرفانية، كقول: “السر الكامن”
فهي – كما تقرر – اصطلاحات لا تُحمل على ظاهرها الحسي، بل على معاني القرب والخصوصية.
✦ سادسًا: كلمة فاصلة في منهج الحكم ✦
قال الدكتور محمد عمارة رحمه الله :
“التجديد لا يكون بهدم التراث، بل بفهمه فهمًا صحيحًا.”
وقال الأستاذ أنور الجندي:
“أخطر ما يواجه الفكر الإسلامي: التبسيط المخلّ الذي يُسقط الفروق الدقيقة.”
وهذا بعينه ما وقع فيه هذا الطعن؛ إذ حاكم المعاني العرفانية بمسطرةٍ حرفية جامدة، فخرج بنتيجةٍ فاسدة.
✦ خاتمةٌ جامعة ✦
إنَّ هذا الدعاء – بما فيه من توسلٍ وإشارة –:
ثابتٌ أصله في السنة
مقرَّرٌ عند الأئمة
منضبطٌ بأصول التوحيد
فمن رماه بالشرك، فقد وسع دائرة الاتهام حتى أدخل فيها ما أخرجه الله ورسوله منها.
❖ والخلاصة الحاسمة:
ليس كلُّ ما لم تفهمه شركًا، ولا كلُّ ما جهلتَه بدعة،
بل قد يكون الحقُّ فوق مداركك،
فإمَّا أن ترتقي إليه، أو تكفَّ عن الطعن فيه.
❖ خَاتِمَةٌ جَامِعَةٌ مَانِعَةٌ ❖
يا هذا… إنَّك ما جئتَ بجديدٍ في الإنكار، ولا كشفتَ عن بدعةٍ خفيَّة، ولكنك أعدتَ على مسامعنا صوتَ الجهل القديم إذا لبس ثوب الغيرة، فصار أشدَّ خطرًا من العداوة الصريحة.
أتطعن في دعاءٍ قد دلَّت أصولُه، وتظاهرت شواهده، وجرى عليه عملُ طوائف من علماء الأمة، ثم تزعم أنك ناصرٌ للتوحيد؟!
كلا، بل أنت خصمٌ للفهم، عدوٌّ للميزان، غريبٌ عن طرائق العلماء.
✦ اسمع – إن كان فيك بقيةُ إنصاف ✦
قال ابن تيمية:
“يجوز التوسل بالنبي ﷺ في الدعاء، وقد نُقل ذلك عن جماعة من السلف.”
وقال تلميذه ابن القيم:
“التوسل به ﷺ والتشفع به إلى ربه من أعظم الوسائل.”
وقال الإمام محمد بن علي الشوكاني:
“لا وجه لإنكار التوسل بالنبي ﷺ، وقد ثبتت به الأحاديث الصحيحة.”
وقال إمام الحرمين عبد الملك الجويني:
“التوسل بالنبي ﷺ جائز عند أهل الحق.”
وقال الإمام تقي الدين السبكي في ردِّه على المنكرين:
“التوسل به ﷺ حسنٌ في كل حال، قبل خلقه وبعده، في حياته وبعد مماته.”
❖ زِيَادَةٌ مُحْكَمَةٌ عَلَى الخَاتِمَةِ – فِي بَيَانِ سِرِّ التَّوَسُّلِ وَأَصْلِهِ مِنَ السُّنَّةِ ❖
✦ من السنة نفسها… حيث يُفحم الاعتراض ✦
أمَّا قولك – أو قول من على شاكلتك – في إنكار عبارة: “السر المستودع”، فها نحن نأتيك من صريح السنة بما يُبطل دعواك من أصلها، لا من فرعها.
❖ حديث الثلاثة أصحاب الغار
ثبت في الصحيح أن ثلاثةً انطبقت عليهم الصخرة، فتوسل كلُّ واحدٍ منهم إلى الله بعملٍ خفيٍّ أودع فيه صدقَه وإخلاصَه، فقال أحدهم:
“اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا…”
فانفرجت الصخرة.
فهذا الحديث – الذي لا مرية في صحته – يدل دلالةً قاطعة:
أن في الأعمال أسرارًا مودعة، بها تُستجاب الدعوات، وتُكشف الكربات.
فلماذا لم تقل: هذا شرك؟!
أم أن الشرك عندكم يُعرَف بالهوى لا بالدليل؟!
❖ التوسل بالأعمال… هو توسل بالأسرار
إنَّ هذا التوسل ليس بالألفاظ، بل بما أودعه الله في تلك الأعمال من سرِّ القبول والإخلاص.
قال بعض أهل العلم:
“ما نفعهم مجرد الفعل، بل ما قام فيه من سرِّ الصدق.”
وهذا هو عين ما نقوله:
أن هناك سرًا مودعًا، هو محلُّ القبول.
✦ وحديث: “اللهم بحق ممشانا…” ✦
وقد ورد في الأدعية المأثورة:
“اللهم بحق ممشانا هذا…”
وهو – عند أهل العلم – من باب:
التوسل بما في العمل من إخلاصٍ وصدقٍ ومجاهدة.
أي: بحقِّ ما أودعته فيه من سر القبول.
✦ القياس الصحيح… لا الفاسد ✦
فإذا ثبت:
أن في الأعمال سرًا يُتوسل به
وأن هذا السر سببٌ في الإجابة
وأن الشرع أقرَّ ذلك
فكيف يُنكر عاقلٌ أن يكون في:
مقام سيدة نساء الجنة
وبضعة النبي ﷺ
والمصطفاة المطهَّرة
من الأسرار ما هو أعظم، وأجل، وأقرب إلى القبول؟!
✦ فكُّ العبارة وإزالة الشبهة ✦
قولنا:
“اللهم بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسر المستودع فيها”
ليس معناه – كما توهَّم الجاهل –:
❌ أنها تُدعى من دون الله
❌ أو أنها تملك نفعًا أو ضرًّا
بل معناه:
اللهم بسرِّ حبك لهم، وحبهم لك، وباصطفائك إياهم، وبما أودعتَ فيهم من صدق الطاعة وكمال القرب، تقبَّل منا وأجب دعاءنا.
فهو – في حقيقته – توسلٌ بالله، لا بغيره، لكن عبر ما يحب، لا عبر ما يُنكر.
✦ الضربة القاصمة ✦
إذا كان التوسل:
بعملٍ خفيٍّ في غارٍ مظلم… مشروعًا
وبمشيٍ في طريق الطاعة… مقبولًا
فكيف يُحرَّم التوسل:
بأشرف بيتٍ، وأطهر نسبٍ، وأعلى مقامٍ بعد الأنبياء؟!
أيُّ عقلٍ هذا؟!
وأيُّ ميزانٍ مختلٍّ هذا؟!
✦ خاتمة الخاتمة… الكلمة التي لا تُرد ✦
يا هذا…
لقد ضيَّقتَ واسعًا، وجهلتَ ما عُلِم، ونازعتَ أهلَ العلم بغير سلاح.
فإن بقي فيك بقيةُ صدق، فارجع؛
وإن أبيتَ، فاعلم:
أنك لا تُحارب بدعة، بل تُنكر سنَّة، ولا تهدم ضلالًا، بل تُخاصم تراث أمة.
❖ والخلاصة الأخيرة التي لا تحتمل جدلًا:
كما أن في الأعمال أسرارًا يُتوسل بها،
ففي أهل القرب أسرارٌ أعظم،
ومن أنكر هذا، فقد أنكر ما دلَّ عليه الشرعُ نفسه،
ولكن بجهلٍ لبس ثوب الغيرة، فكان شرًّا من العداوة.
✦ فماذا بقي بعد هذا؟! ✦
أهؤلاء جميعًا – عندك – على ضلال؟!
أم أنك أوتيتَ من الفهم ما لم يؤتوه؟!
إن كنتَ تزعم الأول، فقد خرجتَ عن سبيل الأمة.
وإن كنتَ تزعم الثاني، فقد شهدتَ على نفسك بالغرور.
✦ الحقيقة التي تهرب منها ✦
إنَّ الدعاء الذي تنكره:
ليس فيه صرفُ عبادةٍ لغير الله
ولا اعتقادُ تأثيرٍ لغير الله
ولا خروجٌ عن أصلٍ من أصول التوحيد
بل هو:
سؤالُ الله بوسيلةٍ شرعها، وتعظيمٌ لمن عظَّمه الله، ووقوفٌ عند حدود ما فهمه أئمة الدين.
فأين الشرك الذي تزعم؟!
أفي خيالك؟! أم في عجزك عن فهم المصطلح؟!
✦ كلمة أخيرة إلى المدعو وليد إسماعيل ومن على شاكلته ✦
يا من جعلتَ من لسانك سيفًا على معاني لا تُدركها…
اعلم أن الطعن في دقائق العلم ليس علمًا، بل هو فضيحةٌ للعقل إذا تكلَّم بغير عدته.
إنَّك لم تُدافع عن التوحيد، بل ضيَّقتَه حتى صار حبيسَ فهمك،
ولم تحمِ السنَّة، بل حاكمتَها إلى ميزانٍ لم يعرفه سلفٌ ولا خلف.
وقد قالوا:
“العلمُ رحمٌ بين أهله، فإذا قُطع، ظهر الدخلاء.”
وها أنت تُعلن – من حيث لا تدري – أنك من هؤلاء.
✦ الخلاصة القاصمة ✦
هذا الدعاء الذي أنكرتَه:
أقرَّه أئمةُ الحديث
واحتمله فقهُ الشريعة
وجرى عليه عملُ طوائف الأمة
ولم يُخالف توحيدًا، ولا نقض أصلًا
فإن أبيتَ إلا الإنكار بعد هذا،
فليس النزاع بينك وبيننا، بل بينك وبين تراث الأمة بأسره.
❖ فاختر لنفسك مقامك:
إمَّا أن تكون تابعًا لأئمةٍ ملأوا الدنيا علمًا،
أو متبوعًا في جهلٍ لا يجاوز صداه صدرك…
﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾.
وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
✍️أَعَدَّهُ وَكَتَبَهُ
رَاجِيًا مِنَ اللَّهِ القَبُولَ
بِجَاهِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الرَّسُولِ ﷺ
وَلِيدُ عَبْدُاللَّهِ الشَّاذِلِيّ