الوهابية = من أسباب انتشار الجهل بالدين، وتكفير المسلمين!


أ.د محمد إبراهيم العشماوي
أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر الشريف

لا يستطيع عاقل أن ينكر أن من سمات الوهابية سطحية التفكير، والمبادرة إلى التكفير، وقد نشرت الجهل بين أتباعها حين جعلت الكلام في دقائق العلم مشاعا بين العوام، فتصدى للكلام في علمي العقيدة والشريعة من لا يعرف الكوع من البوع من الكرسوع، بل وتجرأ على العلماء، وصار يتهمهم بكل نقيصة في دينهم وذواتهم!

وإني لتعروني دهشة عظيمة مما أراه من تعليقات الجهال والحمقى والصغار والسفهاء من أتباع هذه الحركة المنكودة، على منشوراتي وفيديوهاتي، والتي تكشف عن عقلية سادرة في الجهل والغي والضلال، ونفسية مشوهة ومعقدة، لا تفتؤ تطلق لسانها في كل أحد بالسوء، بلا وازع من دين أو خلق أو ضمير!

وهذه نماذج من جهلهم الذي يجعلهم يبادرون بالإنكار على كل ما لم يحيطوا به علما، ولا يكتفون بذلك حتى يحكموا على صاحبه بالجهل والضلال، وهم بذلك أحق!

نشرت مقطعا لصلاة من (الصلوات العشماوية)، فيه وصف المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنه (المطلع على أسرار الغيوب، من اسمه على العرش مكتوب)، فجاءني الإنكار على هذين المعنيين!

ولو تأمل هؤلاء الجهال لوجدوا أن المعنى الأول يكاد يكون من خصائص النبوة، فالإخبار بالمغيبات من شأن الرسل، فقد أخبرونا عما يكون في الآخرة، والآخرة غيب، وأخبرونا عن حقيقة الألوهية، وهي غيب، ولا يُحصى كم أخبر صلى الله عليه وسلم عن الغيوب الماضية والحاضرة والآتية، بل هذا شأن المعجزة، وقد صنف علماء الحديث تصانيف خاصة في هذا سموها (دلائل النبوة) أوردوا فيها كثيرا من وقائع الإخبار بالغيب، الدالة على كونه نبيا ورسولا من عند الله!

وفي القرآن الكريم نص واضح جلي في أن الله تعالى يطلع رسله على بعض غيبه، قال تعالى: “عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحدا؛ إلا من ارتضى من رسول”.

قال شيخ المفسرين ابن جرير الطبري: “وقوله: (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ) يعني بعالم الغيب: عالم ما غاب عن أبصار خلقه، فلم يروه، فلا يظهر على غيبه أحدا، فيعلمه أو يريه إياه؛ إلا من ارتضى من رسول، فإنه يظهره على ما شاء من ذلك.

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل”. انتهى.

ولا ينافي هذا قولَه تعالى على لسان حبيبه ومصطفاه: “ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير، وما مسني السوء”؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب بذاته، وإنما بإعلام الله إياه، فلا منافاة!

وأما المعنى الثاني، وهو قولي: (من اسمه على العرش مكتوب)؛ فإليك ما أورده الإمام محمد بن يوسف الصالحي الشامي، صاحب السيرة الشامية، المسماة (سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد) في (جماع أبواب الفضائل والآيات الواقعة قبل مولده صلى الله عليه وسلم)، فقد عقد فيه بابا، وهو الباب الخامس منه، تحت عنوان (في كتابة اسمه الشريف مع اسم الله تعالى على العرش وسائر ما في الملكوت، وما وُجد على الحجارة القديمة من نقش اسمه صلى الله عليه وسلم)، قال فيه:

قال الإمام العلامة خالد بن محمود بن جملة رحمه الله تعالى: لم يثبت أن غيره صلى الله عليه وسلم أثبت اسمه على العرش.
روى الحاكم والطبراني عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لما اقترف آدم الخطيئة؛ قال: يا رب، أسألك بحق محمد لَمَا غفرتَ لي. قال: وكيف عرفت محمدا؟ قال: لأنك لما خلقتني بيدك، ونفخت فيَّ من روحك؛ رفعتُ رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: (لا إله إلا الله محمد رسول الله). فقلت: إنك لم تضف إلى اسمك إلا أحب الخلق إليك. قال: صدقت يا آدم، ولولا محمد ما خلقتك.

قال الإمام الزاهد الشيخ إبراهيم الرقي رحمه الله تعالى: لو لم يتب عليه؛ لبقي هو وذريته في دار السخط، أبد الأبد.

فما ظنك برجل واحد شمل العالمين كلهم بركته، حتى صولح به المتمردون، ورُزق به المحرومون، وجُبر به المنكسرون، وأُنقذ به المعذبون، ومن العجب أن ننتظر شفاعته في القيامة وقد سبقت شفاعته فينا وفي أبينا من أول دنيانا، فهو مُطهَّر الباطن والظاهر، مُبارَك الأول والآخر!

وروى ابن أبي عاصم في (المسند)، وأبو نعيم، عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ أن الله سبحانه وتعالى قال لموسى: يا موسى، إن من لقيني وهو جاحد بمحمد صلى الله عليه وسلم؛ أدخلته النار.
فقال: من محمد؟ قال: يا موسى، وعزتي وجلالي؛ ما خلقت خلقا أكرم عليَّ منه، كتبت اسمه مع اسمي في العرش، قبل أن أخلق السماوات والأرض والشمس والقمر بألفي عام.

وروى ابن المنذر، عن محمد بن علي بن الحسين بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أن آدم لما أكل من الشجرة؛ عظم كربه، واشتد ندمه، علَّمه جبريل أن يقول دعاء، ومنه: اللهم إني أسألك بجاه محمد عندك، وكرامته عليك؛ أن تغفر لي خطيئتي! ففعل آدم، فقال الله: يا آدم، من علَّمك هذا؟ قال: يا رب، إنك لما نفخت في الروح .. فذكر نحو الحديث الأول.

وروى ابن أبي الدنيا عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: اختصم ولد آدم: أيُّ الخلق أكرم على الله؟ فقال بعضهم: آدم، خلقه الله بيده، وأسجد له ملائكته. وقال آخر: بل الملائكة الذين لم يعصوا الله. فذكروا الكلام لآدم، فقال: لما نُفخ فيَّ الروح؛ لم تبلغ قدمي، فاستويت جالسا، فبرق العرش، فنظرت فيه: (محمد رسول الله)، فذاك أكرم الخلق على الله عز وجل

وروى ابن الجوزي، بسند جيد، لا بأس به، عن ميسرة رضي الله تعالى عنه قال: قلت يا رسول الله: متى كنت نبيا؟ قال: لما خلق الله الأرض، واستوى إلى السماء، فسواهن سبع سماوات، وخلق العرش؛ كتب على ساق العرش: محمد رسول الله، خاتم الأنبياء.
وخلق الله تعالى الجنة التي أسكنها آدم وحواء، فكتب اسمي على الأوراق والأبواب والقباب والخيام، وآدم بين الروح والجسد، فلما أحياه الله تعالى؛ نظر إلى العرش، فرأى اسمي، فأخبره الله تعالى أنه سيد ولدك! فلما غرهما الشيطان؛ تابا واستشفعا باسمي إليه… إلى آخر ما أورده صاحب السيرة الشامية من الأحاديث والآثار في هذا الموضع، مما يشد بعضه بعضا، ويشهد أن لهذا المعنى أصلا!

بل قال الإمام ابن تيمية – كما في (مجموع الرسائل والمسائل) -: “وقد روي أن الله كتب اسمه على العرش وعلى ما في الجنة من الأبواب والقباب والأوراق، ورُوي في ذلك عدة آثار، توافق هذه الأحاديث الثابتة التي تبين التنويه باسمه، وإعلاء ذكره حينئذ”.
ثم ذكر بعض هذه الأحاديث والآثار التي ذكرناها، وقال: “إنها كالتفسير للأحاديث الصحيحة”، وهو مصير منه إلى تقويتها، وإثبات صحة ما تضمنته من هذا المعنى!

وفي هذه الأحاديث والآثار أيضا؛ التوسل الصريح بجاهه صلى الله عليه وسلم، وجاهه عند الله عظيم، ومن توسل به لا يخيب!
ومما أنكره هؤلاء المتنطعون الجامدون عليَّ؛ ما ذكرته في بعض المقاطع أنني قلت لمولانا الشيخ الشعراوي حين اجتمعت به: أحب النظر إليك؛ لأن النظر إلى وجوه الصالحين عبادة! فبادرني بقوله: ونظرهم إليك سعادة!

فأنكر عليَّ هذا الجاهل الجامد هذا المعنى، وكأنه يقول: لا عبادة إلا ما شرعه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونص على أنه عبادة!

قلت: قد حث رسول الله صلى الله عليه وسلم على النظر إلى الصالحين، وقال: إنها عبادة!

وذلك لأن للوسائل حكم المقاصد، ولما كان النظر إلى الصالحين مُذكرا بالله، مُعينا على العبادة؛ كان كأنه عبادة؛ فإن حكم مقدمة الشيء كحكمه، ولكن هؤلاء قوم لا يفهمون ما اللغة؟ وما أسرار التعبير؟ ولا يعرفون حقيقة ولا مجازا!

وإليك ما ذكره موقع (إسلام ويب) – وهو موقع وهابي – في هذا الباب!
حيث ورد إليه سؤال يقول:
“ما معنى (إذا رؤوا ذكر الله) من حديث الرسول صلى الله عليه وسلم “أولياء الله الذين إذا رُؤوا ذُكر الله” حديث حسن: (السلسلة الصحيحة 311/4). وقد ورد هذا الحديث ضمن القول في تأويل قوله تعالى: أَلآ إِنّ أَوْلِيَآءَ اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ. تفسير الطبري الآية 62 سورة يونس؟ جزاكم الله خيراً”.

فأجاب:
“الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فالحديث الذي ذكرته مذكور في كتب التفسير، وقد صححه الشيخ الألباني في (السلسلة الصحيحة)، ومعناه: أن من صفات أولياء الله تعالى؛ أنهم يتميزون عن غيرهم بصفات جليلة، كالسمت الحسن، والخشوع الظاهر، وغيرها، فعند رؤيتهم يتأثر المشاهد برؤيتهم التي تذكِّره بذكر الله تعالى، وعظمته،
والاستقامة على شرعه، قال الألوسي في (رُوح المعاني): “فقد أخرج ابن المبارك، والترمذي في (نوادر الأصول)، وأبو الشيخ، وابن مَرْدُوْيَهْ، وآخرون، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: قيل: يا رسول الله، مَن أولياء الله؟ قال: “الذين إذا رُؤوا ذُكر الله تعالى”. أي: لحسن سمتهم وإخباتهم”. انتهى.
والله أعلم”.

فتأمل كيف أثبت هذا الموقع الوهابي صحة الحديث سندا ومتنا، بل نقل عن تفسير الإمام الآلوسي، وهو من الصوفية، ولكن ماذا نصنع لعقول أعماها الجهل، وقلوب أعماها الحقد؛ “فإنها لا تعمى الأبصار، ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”.
نسأل الله النجاة، بحرمة حبيبه ومصطفاه.
وبالله التوفيق.

اترك تعليقاً

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.