الثلاثاء , أبريل 7 2026

السماع فى الفقه الإسلامى : دراسة وسطية على منهج الأزهر

بقلم الشيخ : أحمد أبوالمجد الأزهرى

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وبعد:
نستعرض في هذه السطور ملخصاً لرسالة العلامة الشيخ يوسف الدجوي ت 1365هـ (عضو هيئة كبار العلماء) حول “السماع”،

*مقدمة الكتاب: ذكر فيها الشيخ (الباعث على تأليفه الرسالة، ومنهجه).

حيث بدأ الشيخ رسالته ببيان الدافع وراء هذا البحث، وهو طلب جماعة من كبار العلماء منه وضع دراسة محققة في مسألة “السماع” بعد تضارب الأقوال فيها بين التشدد كما عند ابن حجر الشافعي، والتساهل الواسع كما عند عبد الغني النابلسي الحنفي.
وقد اعتمد الشيخ الموازنة بين الآراء وترجيح ما قام عليه البرهان، مقتدياً بقول الإمام علي رضي الله عنه: “كن ممن يعرف الرجال بالحق، ولا تكن ممن يعرف الحق بالرجال”.

يرى الشيخ أن السماع وسيلة تهيج ما كمن في القلوب، وبناءً على المقصد والنتيجة يترتب الحكم الفقهي:

التحريم:
لمن غلبت عليه الشهوات والنزعات الشيطانية؛ لأن الوسيلة تعطى حكم المقصد.

القربة والطاعة:
لمن يحرك السماع في قلبه الشوق للمقامات العلية والأحوال السنية.

الإباحة:
إذا خلا من التأثيرين السابقين، فهو من المباحات.

أقوال العلماء:

الشافعي في كتاب “آداب القضاء” قال:
الغناء لهو مكروه يشبه الباطل، ومن استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته.

يوضح الشيخ أن رد الشهادة لا يستلزم التحريم بدليل أنها ترد في أمور غير محرمة مثل “الأكل في السوق”.

نقل أبو الطيب القاضي الطبري أن استماع الغناء من المرأة التي ليست بمحرم لا يجوز عند أصحاب الشافعي، سواء كانت مكشوفة أو من وراء حجاب.

نقل أبو الطيب الطبري أن أبا حنيفة وسائر أهل الكوفة (سفيان الثوري، حماد، إبراهيم، الشعبي) كانوا يكرهون الغناء.

الإمام مالك نهى عن الغناء، وقال إن من اشترى جارية ووجدها مغنية كان له ردها، وهو مذهب سائر أهل المدينة إلا إبراهيم بن سعد وحده.

روي عن الإمام أحمد أنه كره السماع، ولكنه حين سُئل عن إنشاد بيت شعر وهل هو حرام، قال: لا. وحتى مع حسن الصوت أو تمديد المقصور ومد الممدود، لم يقل بالتحريم صراحة بل قال: “أنا لا أقوى لمثل هذا الجدل”.

وقد استدل المانعون بأدلة من القرآن الكريم والسنة المطهرة أما القرآن الكريم:

فبقوله: (وَمِنَ الناس مَن يَشْترِي لَهوَ الْحَدِيثِ لِيْضِلَ عَن سَبِيلٍ الله بِغيْر عِلّم) فقد ذمَّ الله من يشتري لهو الحديث، ولهو الحديث هو المعازف والغناء كما قال مجاهد والحسن؛ فيكون الاستماع إلى المعازف والغناء محرما؛ لأن الله لا يذم على فعل مأذون فيه، فيدل هذا على تحريم جميع آلات العزف.

وقد رد الإمام ابن حزم على هذا الاستدلال وقال:
نص الآية يبطل احتجاجهم بها؛ لأن فيها:«وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡتَرِي ‌لَهۡوَ ‌ٱلۡحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ» وهذه صفة من فعلها كان كافراً بلا خلاف، وما ذم الله من اشترى لهو الحديث ليلتهي به ويروح نفسه، فلا نسلم أن المقصود بهذه الآية هو ذم آلات الموسيقى أو تحريم الاستماع لها.

وأما السنة:
فبما روى هشام بن عمار بسنده إلى أبي عامر أو أبي مالك الأشعري أنه سمع النبي يقول: (ليكونن قوم من أمتي يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف): ففي هذا الحديث أخبر أن هؤلاء الناس يستحلون المعازف -أي يعتقدون أنها حلال- فدل على أنها محرمة. وإلا لما ذمهم النبي وتوعدهم عليها وعيداً شديداً.

أدلة الإباحة (القياس والنقل)

يقول رحمه الله تعالى: “ولا يوجد ثمة دليل لا من نص ولا قياس على تحريم السماع، بل دل النص والقياس على إباحته.

أولاً: الدليل من القياس

أما القياس، فإن الغناء اجتمعت فيه معاني ينبغي أن يُبحث عن أفرادها ثم عن مجموعها، فإن سماع صوت طيب موزون مفهوم المعنى محرك للقلب، فالوصف الأعم أنه صوت طيب.

ثم هذا الطيب ينقسم إلى:

موزون وغيره:
والموزون ينقسم بدوره إلى مفهوم كالأشعار، وإلى غيره كأصوات الجمادات وسائر الحيوانات.

اللذة الحسية:
سماع الصوت الطيب من حيث إنه طيب لا ينبغي أن يُحرم، بل هو حلال بالنص والقياس.

القياس على الطبيعة:
لا يحرم أحد صوت العندليب أو الطيور، والمزامير إنما هي محاكاة لصوت الحناجر البشرية التي خلقها الله، فالأصل في الصوت الطيب الإباحة ما لم يعرض له عارض.

ثانياً: الدليل من النص

أما النص، فيدل على إباحة سماع الصوت الحسن، وقد امتن الله على عباده به في رأي كثير من العلماء في قوله تعالى: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ}، فقيل هو الصوت الحسن.

قال تعالى: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ}، فُسرت بالصوت الحسن.
الاستدلال بقوله تعالى: {إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ}،
وذم “صوت الحمير” يدل بمفهوم المخالفة على مدح الصوت الحسن.

كما استدلوا بقوله تعالى:«وَيُحِلُّ ‌لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ»

فالآية ذكرت إحلال الطيبات قي مقام مدح الرسالة المحمدية والطيبات جمع محلى بالألف واللام؛ فيفيد العموم ويشمل كل طيب والطيب يطلق على المستلذ ويطلق أيضا على الطاهر والحلال والمعازف مستلذة لبعض الناس والمادة التي تصنع منها طاهرة غير نجسة؛ فتكون مباحة.

كما استدلوا ببعض آثار عن الصحابة والتابعين تفيد أنهم كانوا لا يرون بأسا بهذه الآلات منها:

ما روي عن عبد الله بن جعفر كان يسمع الغناء بالآلات ولا يرى بذلك بأسا وروي عن عبد الله بن الزبير أنه كان لديه عود شامي وكان له جوارٍ عوادات وغيرهم الكثير ممن أسماؤهم معروفة وأخبارهم منقولة.

من السنة:
قوله ﷺ لأبي موسى الأشعري: “لقد أُعطيت مزماراً من مزامير آل داود”، وحديث الجاريتين في بيت النبي ﷺ يوم العيد.
وقد نقل أبو طالب المكي إباحة السماع عن جماعة من الصحابة، منهم: عبد الله بن جعفر، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، ومعاوية رضي الله عنهم.

وذكر أن أهل الحجاز في مكة والمدينة كانوا يواظبون على السماع في أفضل أيام السنة (أيام التشريق).

الإمام الجنيد (إمام الصوفية): أباح السماع وقال إن الرحمة تنزل على هذه الطائفة في ثلاثة مواضع، منها “عند السماع” لأنهم يسمعون بوجد ولا يشهدون إلا حقاً.

ابن جريج: كان يرخص في السماع، واعتبره شبيهاً باللغو الذي لا يؤاخذ الله به، مستشهداً بقوله تعالى: “لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم”.

علة تحريم الآلات (الملاهي والأوتار)

أوضح الشيخ أن استثناء بعض الآلات من الإباحة لم يكن لذات اللذة، بل لأسباب عارضة، فلو كان التحريم للذة الصوت، لوجب تحريم كل ما يتلذذ به الإنسان.

أما علة التحريم فتتمثل في:

(1) أنها من شعار أهل الفسق: العلة في تحريم هذه الآلات أنها كانت من شعار أهل الشرب والفسوق في ذلك الزمن.

(2) أنها مرتبطة بالخمر: كانت هذه الآلات تدعو إلى شرب الخمر، وتُذكّر “قريب العهد بالشرب” بمجالس الأنس بالخمر، والذكر يبعث الشوق للمحرم.

(3) النهي عن التشبه بالفساق: منع الاجتماع عليها لأنها صادرة عن أهل الفسق، ويُمنع التشبه بهم.

القاعدة الفقهية المتبعة:

“الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً”؛ فإذا زالت هذه العلل (الارتباط بالفسق والخمر والتشبه) زال الحكم بالحرمة.

تأثير السماع في القلب ومقاصده المحمودة

قرر الشيخ رحمه الله أن الحكم على السماع يُبنى على أثره في القلب وقد يترتب عليه من ثمرات طيبة ومنها:

1. تهييج الشوق للعبادات (غناء الحجيج)

كالأشعار التي تصف الكعبة، المقام، الحطيم، زمزم، وسائر المشاعر، فهذه الألحان تُشعل نيران الشوق في قلب المسلم لحج بيت الله الحرام، أو تستجلب هذا الشوق إن لم يكن حاصلاً، وبما أن الحج قربة والشوق إليه محمود، فإن كل وسيلة تؤدي لهذا الشوق (كالسماع) هي وسيلة محمودة.

2. التحريض على الجهاد (أناشيد الغزو)

كالأشعار التي تمدح الشجاعة، وتستحقر بذل النفس والمال في سبيل الله، وتحرك الغيرة والغضب على الكفار.

كقول المتنبي:

فَإِن لَم تَمُت تَحتَ السُيوفِ مُكَرَّماً … تَمُت وَتُقاسي الذُلَّ غَيرَ مُكَرَّمِ
يرى الجُبَناءُ أَنَّ العَجزَ عَقلٌ … وَتِلكَ خَديعَةُ الطَبعِ اللَئيمِ

3. السماع في أوقات السرور (التأكيد والتهييج)

يُباح السماع والألحان في كل موطن يُراد فيه إظهار الفرح، ومن أمثلة ذلك:

المناسبات كالعيد، العرس، قدوم الغائب، الوليمة، العقيقة، وعند ختان المولود، عند حفظ القرآن الكريم أو نيل شهادة عليا.
وقد استقبل النبي ﷺ: النساء على السطوح بالدف عند قدومه للمدينة:
طَلَعَ البَدرُ عَلَينا … مِن ثَنِيّاتِ الوَداع
وَجَبَ الشُكرُ عَلَينا … ما دَعا لِلّهِ داع

وقولهن:
نحن بنات من بني النجار … يا حبذا محمد من جار.

وروي عن عائشة رضي الله عنها في الصحيحين أنها رأت النبي ﷺ يسترها بردائه وهي تنظر للحبشة يلعبون في المسجد.
وقال ﷺ لأبي بكر الصديق حين أنكر على الجاريتين اللتين تضربان بالدف في أيام منى: “دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد”.

وجه الجواز الفقهي:

أن من الألحان ما يثير الفرح والطرب، وإظهار السرور في هذه المواضع مطلوب شرعاً، فكانت الألحان وسيلة مباحة لتحقيق هذا المقصد الشرعي.

عوارض التحريم

بعد تقرير إباحة السماع في أصله، يحدد الشيخ خمسة عوارض تنقله من الإباحة إلى الحرمة، وهي تتعلق بأركان السماع (المُسمع، الآلة، والمستمع):

أولاُ: المُسمِع:

أن تكون امرأة أجنبية أو صبياً تُخشى فتنته، أو صبياً أمرداً تُخشى فتنته وعلة التحريم هنا ليس لذات الغناء، بل لخوف الفتنة، ولو كان صوت المرأة يفتن في مجرد المحاورة أو تلاوة القرآن، حُرِم سماعها؛ فالمعتبر هو “مثار الفتنة”.
ويختلف الحكم باختلاف الأشخاص (كالشاب والشيخ)، قياساً على الرخصة في قُبلة الصائم للشيخ دون الشاب.

ثانياً: الآلة:

إذا كانت من شعار أهل الشرب والفسوق (كالأوتار والمزامير المرتبطة بمجالس الخمر).

يرى الشيخ أن الآلات المنصوص على تحريمها قد يتغير حكمها إذا لم تعد شعاراً لأهل الفسق كما في عصرنا؛ لأن “الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً”.

ثالثاً: النظم (الكلام):

إذا اشتمل على خنى، فحش، كذب على الله، أو هجاء للصحابة، والمستمع هنا شريك للقائل في الإثم).

أما الجائز قطعاً:

هجاء الكفار وأهل البدع؛ اقتداءً بحسان بن ثابت رضي الله عنه.

أما النسيب (الغزل) بوصف الخدود والقد والقامة وسائر أوصاف النساء فهذا فيه نظر والصحيح أنه لا يحرم نظمه وإنشاده بلحن وغير لحن

وقد جاء كعب بن زهير رضي الله عنه إلى النبي ﷺ معتذرًا ومسلمًا، وأنشده قصيدته الشهيرة في المسجد النبوي، والتي بدأها بقوله:
بانت سعادُ فقلبي اليومَ متبولُ … متيّمٌ إثْرها لم يُفْدَ مكبولُ
‌بَانَتْ ‌سُعَادُ، ‌فَقَلْبي اليَوْمَ مَتْبُولُ، … مُتيَّمٌ إثرَها، لَمْ يُفْدَ، مَكْبولُ
وما سُعَادُ، غَدَاةَ البَيْنِ، إذ رَحلوا، … إلاّ أغنُّ غضِيضُ الطَّرْفِ، مَكحول
هَيْفَاءُ مُقْبِلةٌ، عَجْزَاءُ مُدْبِرَةٌ، … لا يشتكي قِصَرٌ مِنْهَا، ولَا طُولُ
تجلو عوارِضَ ذي ظَلْمٍِ إذا ابتسَمَتْ … كأنّه مُنْهَلٌ بالرّاحِ مَعْلُول
وعلى المستمع أن لا ينزله على امرأة معينة فإن نزله فلينزله على من تحل له من زوجته وجاريته فإن نزله على أجنبية فهو العاصي بالتنزيل وإجالة الفكر فيه ومن هذا وصفه ينبغي أن يجتنب السماع رأساً.

رابعاً: نفس المستمع:

إذا غلب عليه العشق أو نزل الكلام على امرأة أجنبية بعينها.

خامساً: المواظبة:

إذا صار السماع ديدن الإنسان حتى شغله عن الفرائض والواجبات.
السماع كـ “لهو” وترويح للقلوب

ختم الشيخ بتوضيح أن وصف السماع بأنه “لهو ولعب” لا يقتضي تحريمه دائماً، فالقول بأن السماع “لهو ولعب” ليس مسوغاً كافياً للحكم بتحريمه؛ فالدنيا في أصلها كلها لهو ولعب، ولا يلزم من كون الشيء لهواً أن يكون محرماً.

ولنا في هدي النبي ﷺ وصحابته الكرام قدوة؛ إذ لم يخفَ عليهم أن المزاح الذي لا فحش فيه حلال، وهو منهج نُقل عنهم في تطييب النفس.

وتتجلى الحكمة من هذا اللهو في كونه “مروحاً للقلب” ومخففاً عنه أعباء الفكر الثقيلة؛ فالقلوب إذا كُرهت تعاميت، وترويحها ببعض اللهو إعانة لها على العودة إلى الجد.

ومن هنا نجد أن العطلة معونة على العمل، فكما ينبغي للمواظب على العلم أن يتعطل يوم الجمعة لأن عطلته تلك تبعث على النشاط في سائر الأيام، وكما كُرهت الصلاة في بعض الأوقات ليتعطل المواظب على النوافل ويستعيد شوقه، فإن اللهو يصبح معيناً ضرورياً على الجد.

والحقيقة أنه لا يصبر على الجد المحض والحق المر إلا نفوس الأنبياء عليهم السلام، أما سائر الخلق، فاللهو في حقهم “دواء للقلب” من داء الإعياء والملال، وكشأن كل دواء، ينبغي أن يكون بمقدار “الريّ”، ولكن لا ينبغي أن يُستكثر منه كما لا يُستكثر من الدواء.

بل إننا نذهب إلى أبعد من ذلك؛ فنقول إن اللهو بهذه النية يصير “قربة”، وذلك في حق من لا يحرك السماع من قلبه صفة محمودة يطلب تحريكها، بل ليس له من وراء ذلك إلا اللذة والاستراحة المحضة، لتكون تلك الاستراحة وقوداً يعينه على استكمال طريق الحق والعمل.

وختاماً:

نرى أن الشيخ الدجوي نجح في تقديم رؤية وسطية، تجعل من السماع وسيلة لتجديد النشاط لا غاية في حد ذاته، مما يساعد المسلم على موازنة حياته بين الجد والترويح دون إفراط أو تفريط.


اترك تعليقاً

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.