
د : إبراهيم شعبان المرشدى
لا أذكر لك هنا خطر ابن باز وأقواله في التبديع والتضليل للأمة الإسلامية فهذا كثير خارج عن الحصر، حتى إنه يُعلِّق على الحافظ ابن حجر في مواطن كثيرة من تعليقاته على فتح الباري فيصف مقالات بعض السلف أو تعليقات ابن حجر بأنها بدعة وشرك وضلالة.
لكنني سأذكر لك كيف أن ابن باز كان متهورًّا في التكفير كابن عبد الوهاب تمامًا، وإليك بعض الأمثلة من نصوصه ليستبصر من أراد أن يستبصر:
المثال الأول:
قال عن بردة الإمام البوصيري التي شرحها عشرات من كبار الحفاظ والأئمة، ولم يقل حافظ أو إمام قط بأن فيها شرك أو بدعة : “أما القصائد التي فيها الشرك، مثل البردة إذا أقروا ما فيها من الشرك، مثل قوله:
يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به سواك عند حلول الحادث العمم
من يعتقد هذا فهو كافر، نسأل الله العافية” (راجع: فتاوى نور على الدرب لابن باز (3/ 54)، بعناية الشويعر).
فالمسلمون الذين يقرأون البردة ويعتقدون بما فيها من التوسل كفار عند ابن باز، هذا نص كلامه، وقد شرحها الإمام أبو شامة المقدسي المتوفى 665هـ، والإمام ابن الصائغ المتوفى 776هـ، والعلامة ابن مرزوق التلمساني المتوفى 781هـ، والإمام بدر الدين الزركشي المتوفى 794هـ، والإمام جلال الدين أبوطاهر الحنفي المتوفى 803 هـ، والعلامة الكبير الفيروز آبادي المتوفى 817هـ، والعلامة شمس الدين الحلبي المتوفى 849هـ، والإمام جلال الدين المحلي 864هـ، والشيخ علي البسطامي المتوفى 875هـ، والشيخ خالد الأزهري المتوفى 905هـ، والعلامة شهاب الدين القسطلاني المتوفى 923هـ، ثم شيخ الإسلام زكريا الأنصاري المتوفى 926هـ، والشيخ محيي الدين المعروف بشيخ زاده المتوفى 951هـ، والشيخ بدر الدين الغزي المتوفى 984هـ، وشيخ الحرم النبوي ابن بدر الدين المنشي الرومي المتوفى 1001هـ، والمُلا علي القاري الحنفي المتوفى 1014هـ، وشرحها بالجامع الأزهر محمد بن سليمان الكردي المتوفى 1048هـ، ولشيخ الأزهر إبراهيم الباجوري المتوفى 1276هـ حاشية عليها، وغيرهم خلائق لا يحصون، ولم يقل واحد قط: إن فيها شرك، مما يدلك على ضلال قول ابن باز ومخالفته إجماع الأمة من قبله.
المثال الثاني:
رأينا ابن باز يجعل التبرك بغير النبي ﷺ من الكفر الأكبر فيقول: “لم يفعله الصحابة مع الصدِّيق، ولا مع عمر، ولا مع عثمان، ولا مع عليّ، ولا مع غيرهم، لعلمهم أن هذا خاص بالرسول ﷺ دون غيره: التبرك بشعره، التبرك بعرقه وبوضوئه، هذا خاص به ﷺ، أما غيره فبدعة لا يجوز، وإذا اعتقد أنه يحصل له البركة من هذا الشخص صار كفرًا أكبر، نسأل الله العافية” (راجع: فتاوى نور على الدرب لابن باز (2/178)، بعناية الشويعر).
فتامل قوله: ” صار كفرًا أكبر”.
المثال الثالث:
ابن باز يكفر حاكم العراق صدام حسين رحمه الله تعالى
لم يقف الأمر بابن باز عند تكفير المتوسلين والمتبركين بل سئل: هل يجوز لعن حاكم العراق؟ لأن بعض الناس يقولون: إنه ما دام ينطق بالشهادتين نتوقف في لعنه، وهل يجزم بأنه كافر؟ وما رأي سماحتكم في رأي من يقول بأنه كافر؟ فأجاب: هو كافر، وإن قال: لا إله إلا الله، حتى ولو صلى وصام، ما دام لم يتبرأ من مبادئ البعثية الإلحادية، ويعلن أنه تاب إلى الله منها وما تدعو إليه، ذلك أن البعثية كفر وضلال، فما لم يعلن هذا فهو كافر” (راجع: مجموع فتاوى ابن باز (6/ 121، 122).
هكذا وبكل سهولة يحكم ابن باز على حاكم مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله بأنه كافر قولًا واحدًا، ولا أدري من أين استقى ابن باز دينه وعقيدته وعلمه؟ ومن الذي أعطاه الحق لتكفير الناس بهذه الصورة المقذعة.
المثال الرابع: يُكفّر ابن باز كل حكام المسلمين لأنهم لا يُحَكِّمون الشريعة حتى وإن قالوا: إن الشريعة أفضل من القانون.
فسئل مرة عن عموم الحكام المسلمين: هل يُعتبر الحكام الذين يحكمون بغير ما أنزل الله كفارًا؟ وإذا قلنا إنهم مسلمون فماذا نقول عن قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}؟ .
الجواب: الحكام بغير ما أنزل الله أقسام، تختلف أحكامهم بحسب اعتقادهم وأعمالهم، فمن حكم بغير ما أنزل الله يرى أن ذلك أحسن من شرع الله فهو كافر عند جميع المسلمين، وهكذا من يحكم القوانين الوضعية بدلًا من شرع الله، ويرى أن ذلك جائز، ولو قال: إنَّ تحكيم الشريعة أفضل؛ فهو كافر؛ لكونه استحلَّ ما حرَّم الله (راجع: مجموع فتاوى ابن باز (4/ 416).
ولا شك أن هذا الكلام لا يصدر إلا عن جاهل بأحكام الشريعة، فإن ابن باز يرى أن الحكم بالقوانين الوضعية مجانب للشريعة، وهذا في حدِّ ذاته مغالطة كبيرة لا تنبئك عن فقه ولا عن علم.
ثم يقول بعدها: “وهكذا ـــ أي يَكْفُرُ ــ من يحكم بالقوانين الوضعية بدلًا من شرع الله، ويرى أن ذلك جائز، وهو كافر عند ابن باز كذلك وإن قال: إنَّ تحكيم الشريعة أفضل فهو كافر لكونه استحل ما حرم الله”، فإن هذا كلام لا زمام له ولا خطام، ولا رصيد له في العلم ولا في الدين.
المثال الخامس:
ابن باز يكفر المعتزلة.
حكم ابن باز بالكفر على الفرق الإسلامية المخالفة لأهل السنة وخاصة المعتزلة مع اتفاق المسلمين على أنهم ليسوا بكفار فيقول: “الذين يقولون: إن القرآن مخلوق، معناه: إنكار أنه كلام الله، وهذا كفر أكبر، وهكذا من قال: إن الله لا يرى، فمن أنكر رؤية الله في الآخرة، رؤيته في الجنة فهذا كفر أكبر” (راجع: فتاوى نور على الدرب 1/ 154).
وقد اتفق المسلمون على عدم تكفير المعتزلة كفرًا أكبر كما يزعم ابن باز، بل قيل عنهم: مبتدعون وضُلَّال، ولكن لم يكفرهم أئمة السنة لأنهم متأوِّلة، وقد كان الإمام أحمد بن حنبل يصلي خلف المعتزلة مع قولهم بخلق القرآن وإنكار الرؤية، مما يدلك على خلل كبير ولهج بالتكفير عند ابن باز ومدرسته الوهابية.
المثال السادس: لا يجوز الدعاء لمن مات وهو لا يصلي لأنه كافر.
وسئل ابن باز عما تفعله المرأة إذا تُوفي زوجها وكان لا يصلي فقال: “لا تتصدقي عنه بشيء، ولا تدعي له، ولا تستغفري له؛ لأنه مات على كفر – نسأل الله العافية – أما الصدقة من مالك في وجوه البر في الفقراء والمساكين ليس عن زوجك، بل لنفسك، مصلحتك، أنت تتصدقين على الفقراء والمساكين، في عمارة مسجد، في جهاد في سبيل الله، كل هذا لك أجره، أما هو فلا، ما دام مات وهو لا يصلي لا تتصدقي عنه” (راجع: فتاوى نور على الدرب 6/ 92).
المثال السابع:
من قال: إن غير الله يعلم الغيب فهو كافر.
فيقول ابن باز هكذا بإطلاق دون النظر في جميع النصوص الشرعية، ودون التفرقة بين الغيب المطلق والجزئي فيقول: “من اعتقد أن غير الله يعلم الغيب فهذا كفر أكبر” (راجع: فتاوى نور على الدرب صـ 245).
مع أن الله تعالى يقول: {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ} يعني: الرسول يعلم الغيب بما علمه الله إياه بنص القرآن الكريم، وبإجماع المسلمين، وتُعرض أعمالنا عليه وهو في قبره بنص حديث الأعمال، وغير الرسول يعلم الغيب على جهة الكرامة وهذا متواتر عن السلف الصالح، فالعجب كل العجب من هذا الضلال المبين الذي يقوله ابن باز.
هذه بعض النقولات عن ابن باز حتى يعلم الوهابية أن شيوخهم كبار التكفيريين، وأنهم أطلقوا ألسنتهم في الأمة كلها بالكفر، أما التبديع والتضليل فسيل جارف عند القوم، والله أسأل أن يطهر الأرض منهم ومن كتبهم وأن يعيد المسلمين إلى المدارس العلمية الكبرى ومنهاج أسلافهم من الصالحين، آمين.
صوت الأزهريين