الخميس , مارس 26 2026

ماحكم قول مدد يا رسول الله أو الغوث يارسول الله؟

ماحكم قول مدد يا رسول الله أو الغوث يارسول الله؟

فقبل الإجابة عن السؤال لا بد من معرفة أمور ثلاثة:

أولاً: الأصل في الأفعال اللي بتصدر من المسلم إنها تتحمل على الأوجه اللي ما تتعارضش مع أصل التوحيد، وما ينفعش نبادر برميه بالكفر أو الشرك، لأن إسلامه قرينة قوية توجب علينا إننا ما نحملش أفعاله على ما يقتضي الكفر، ودي قاعدة عامة لازم المسلمين يعرفوها. الإمام مالك إمام دار الهجرة رحمه الله قال: (من صدر عنه ما يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجهاً ويحتمل الإيمان من وجه نحمل أمره على الإيمان). وخلينا نضرب مثل قولي وآخر فعلي.

المسلم بيعتقد إن المسيح عليه السلام بيحيي الموتى بإذن الله، وهو مش قادر على ده بنفسه إنما بقوة الله له، والنصراني بيعتقد إنه بيحيي الموتى، لكنه بيعتقد إن ده بقوة ذاتية، وإنه هو الله، أو ابن الله، أو أحد الأقانيم زي ما بيعتقدوا. وعلى كده، لو سمعنا مسلم موحد بيقول: (أنا أعتقد إن المسيح بيحيي الموتى). ونفس الكلمة دي قالها نصراني، ما ينفعش نظن إن المسلم تنصر بالكلمة دي، بل نحملها على المعنى اللائق بانتسابه للإسلام ولعقيدة التوحيد.

والمسلم بيعتقد كمان إن العبادة ما ينفعش تتصرف إلا لله وحده، والمشرك بيعتقد جواز صرفها لغير الله تعالى. لو شفنا مسلم بيصدر منه لغير الله ما يحتمل العبادة وغيرها، لازم نحمل فعله على ما يناسب اعتقاده كمسلم، لأن اللي ثبت له عقد الإسلام بيقين ما يزولش عنه بالشك والاحتمال. عشان كده لما سجد معاذ بن جبل رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وآله وسلم، النبي نهاه عن ده، لكنه ما وصفش فعله بالشرك أو الكفر. وبديهي إن معاذ رضي الله عنه ـ وهو أعلم الأمة بالحلال والحرام ـ ما كانش يجهل إن السجود عبادة، وإن العبادة ما ينفعش تتصرف لغير الله، لكن لما كان السجود يحتمل وجه آخر غير عبادة المسجود له، وهو سجود الإجلال والتوقير، ما ينفعش نحمله على العبادة لو صدر من المسلم أو تكفيره بحال. وفي ده بيقول الحافظ الذهبي: (ألا ترى الصحابة من فرط حبهم للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قالوا: ألا نسجد لك؟ فقال: لا). فلو أذن لهم كانوا سجدوا له سجود إجلال وتوقير مش سجود عبادة، زي ما سجد إخوة يوسف عليه السلام ليوسف. وكمان القول في سجود المسلم لقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم على سبيل التعظيم والتبجيل ما يكفرش به أصلاً، بل يكون عاصي، فليعرف إن ده منهي عنه وكمان الصلاة إلى القبر.

والإخلال بهذا الأصل الأصيل هو مسلك الخوارج، حيث وضح ابن عمر رضي الله عنهما أن هذا هو مدخل ضلالتهم فقال: إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين (علقه البخاري في صحيحه ووصله ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار بسند صحيح(.

ثانياً: تعريف الشرك: هو صرف حاجة من أنواع العبادة لغير الله بالطريقة اللي ما تنفعش إلا لله تعالى، حتى لو كان ده بغرض التقرب إلى الله زي ما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أولِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى}. وقلنا بالطريقة اللي ما تنفعش إلا لله تعالى عشان نخرج كل اللي خالف العبادة في مسماها حتى لو وافقها في ظاهر اسمها. فالدعاء ممكن يكون عبادة للمدعو زي ما قال تعالى: {إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا}. وممكن ما يكونش، زي ما قال تعالى: {لاَ تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا}. والسؤال ممكن يكون عبادة للمسؤول، زي ما قال تعالى: {وَاسْأَلُواْ اللّهَ مِن فَضْلِهِ}. وممكن ما يكونش، زي ما قال تعالى: {لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُوم}. والاستعانة ممكن تكون عبادة للمستعان به، زي ما قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين}. وقال تعالى: {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُواْ}. وممكن ما تكونش، زي ما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين}. والحب ممكن يكون عبادة للمحبوب وممكن ما يكونش، زي ما جمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ده في قوله: (أَحِبُّوا الله لِمَا يَغْذُوكُمْ مِنْ نِعَمِهِ، وَأَحِبُّونِي بِحُبِّ الله، وَأَحِبُّوا أَهْلَ بَيْتِي بِحُبِّي) وهكذا، يعني إن الشرك بيكون في التعظيم اللي هو كتعظيم الله تعالى، زي ما قال تعالى: {فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُون}. وزي ما قال سبحانه: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لله}.

فالشرك هو: تعظيم مع الله أو تعظيم من دون الله، وعشان كده كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام إيمان وتوحيد، وكان سجود المشركين للأوثان كفر وشرك مع إن المسجود له في الحالتين مخلوق، لكن لما كان سجود الملائكة لآدم عليه السلام تعظيم للي عظمه الله زي ما أمر الله، كان وسيلة مشروعة يستحق فاعلها الثواب، ولما كان سجود المشركين للأصنام تعظيم كتعظيم الله كان شرك مذموم يستحق فاعله العقاب.

فلو حصل خلاف بعد كده في بعض أنواع الوسيلة زي التوسل بالصالحين والدعاء عند قبورهم مثلاً، أو حصل خطأ فيها من بعض المسلمين في اللي ما شرعش كونه وسيلة زي السجود للقبر أو الطواف به، ما ينفعش ننقل الخطأ ده أو الخلاف ده من دائرة الوسيلة لدائرة الشرك والكفر، لأننا بكده نكون خلطنا بين الأمور وجعلنا التعظيم بالله كالتعظيم مع الله، والله تعالى بيقول: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِين * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون}.

ثالثاً: أن هناك فارقاً أيضاً ما بين كون الشيء سبباً وبين الاعتقاد بأنه خالق ومؤثر في نفسه، وقد ثبت هذا التفريق بنص القرآن العظيم والسنة المطهرة، على سبيل المثال قال تعالى في حق سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيم}. وقال له في مكان آخر: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ}. فالآية الأولى تثبت بأنه صلى الله عليه وسلم هادي، وهذا من حيث السبب، والآية الثانية تثبت بأن الله هو الهادي، وهذا من حيث الاعتقاد والتأثير.

ومن السنة المطهرة، يقول صلى الله عليه وسلم: (إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ الله عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الأَقْلامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ).

ويقول في مكان آخر: (مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ الله فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) .

ويقول صلى الله عليه وسلم: (وَالله فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ) رواه مسلم. فالحديث الأول يبين بأن الخالق والمؤثر هو الله تعالى، وفي الحديث الثاني، يبين السبب.

إلى ما هنالك من الآيات والأحاديث التي تفرق بين الاعتقاد بأن الخالق والمؤثر هو الله وحده، وبين الأسباب التي تؤخذ.

فإذا رأينا مسلماً يطلب أو يسأل أو يستعين أو يرجو نفعاً أو ضراً من غير الله فإنه يجب علينا قطعاً أن نحمل ما يصدر منه على ابتغاء السببية لا على التأثير والخلق، لما نعلمه من اعتقاد كل مسلم أن النفع والضر الذاتيين إنما هما بيد الله وحده، وأن هناك من المخلوقات ما ينفع أو يضر بإذن الله، فإذا عرفنا هذه الأمور الثلاثة فإنه يجب علينا استحضارها في الكلام على حكم التوسل والاستغاثة.

أما إقحام الشرك والكفر في هذه المسألة فلا وجه له، اللهم إلا على افتراض أن المتوسل والمستغيث يعتقد في المتوسل والمستغاث به أنه يجلب الضر أو النفع بذاته.

رابعاً: إن أول من نقل مسألة التوسل والاستغاثة من فروع الفقه إلى أصول العقائد هو ابن تيمية رحمه الله تعالى، ولم يسبقه إلى ذلك أحد من السلف ولا الخلف، فابتدع ما لم يقله عالم قبله، كما جاء في رد المحتار لابن عابدين رحمه الله تعالى، قال: وَقَالَ السُّبْكِيُّ : يَحْسُنُ التَّوَسُّلُ بِالنَّبِيِّ إلَى رَبِّهِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ مِنْ السَّلَفِ وَلا الْخَلَفِ إلا ابْنَ تَيْمِيَّةَ فَابْتَدَعَ مَا لَمْ يَقُلْهُ عَالِمٌ قَبْلَهُ. اهـ.

فقد كانت مسألة التوسل والاستشفاع والاستغاثة لمدة ثمانية قرون مسألة فقهية، وكان الفقهاء في المذاهب الأربعة يبحثونها في باب الحج والزيارة وغيرها، حتى جاء ابن تيمية رحمه الله فنقلها إلى باب العقيدة، وحكم على المتوسل والمستغيث والمستشفع بالكفر، واستحلَّ دماءهم وأعراضهم وأموالهم.

الأدلة على جواز التوسل والاستغاثة:

وبعد ماذكر أسوق لك الأدلة على جواز التوسل والاستشفاع والاستغاثة، في حال حياة المتوسَّل به والمستشفع به والمستغاث به في الدنيا والآخرة والبرزخ.

أولاً: في الحياة الدنيا: روى الإمام البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك رضي الله عنه، (أَنَّ رَجُلاً دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مِنْ بَابٍ كَانَ وِجَاهَ الْمِنْبَرِ، وَرَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولَ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله هَلَكَتْ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ الله يُغِيثُنَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا اللَّهُمَّ اسْقِنَا، قَالَ أنَس: وَلا وَالله مَا نَرَى فِي السَّمَاءِ مِنْ سَحَابٍ وَلا قَزَعَةً وَلا شَيْئًا، وَمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ سَلْعٍ مِنْ بَيْتٍ وَلا دَارٍ، قَالَ: فَطَلَعَتْ مِنْ وَرَائِهِ سَحَابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فَلَمَّا تَوَسَّطَتْ السَّمَاءَ انْتَشَرَتْ ثُمَّ أَمْطَرَتْ، قَالَ: وَالله مَا رَأَيْنَا الشَّمْسَ سِتًّا، ثُمَّ دَخَلَ رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْبَابِ فِي الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ وَرَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ يَخْطُبُ، فَاسْتَقْبَلَهُ قَائِمًا فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله هَلَكَتْ الأَمْوَالُ وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ الله يُمْسِكْهَا، قَالَ: فَرَفَعَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الآكَامِ وَالْجِبَالِ وَالآجَامِ وَالظِّرَابِ وَالأَوْدِيَةِ وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، قَالَ: فَانْقَطَعَتْ وَخَرَجْنَا نَمْشِي فِي الشَّمْسِ).

هذا الرجل جاء مستغيثاً برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله في أن يمطرهم، فلم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا سألت فاسأل الله). ولم يقل له: (ادعوا الله القائل: {وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون}. والقائل: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}.

وجاء في الحديث الصحيح، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ رضي الله عنه: (أَنَّ رَجُلاً ضَرِيرَ الْبَصَرِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: ادْعُ الله أَنْ يُعَافِيَنِي، قَالَ: إِنْ شِئْتَ دَعَوْتُ لَكَ، وَإِنْ شِئْتَ أَخَّرْتُ ذَاكَ فَهُوَ خَيْرٌ، فَقَالَ: ادْعُهُ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَيُحْسِنَ وُضُوءَهُ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ وَيَدْعُوَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، يَا مُحَمَّدُ إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ فَتَقْضِي لِي، اللَّهُمَّ شَفِّعْهُ فِيَّ) رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

فالنبي صلى الله عليه وسلم علَّمه التوسل والاستغاثة بجاهه صلى الله عليه وسلم، كما هو ظاهر في نص الحديث، فهل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الناس التوحيد أم الشرك؟ ولماذا لم يقل له النبي صلى الله عليه وسلم: (إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ الله، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِالله ) رواه الترمذي؟

ثانياً: أما في الآخرة، فما رواه البخاري في صحيحه مرفوعاً: (إِنَّ الشَّمْسَ تَدْنُو يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَرَقُ نِصْفَ الأُذُنِ، فَبَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ اسْتَغَاثُوا بِآدَمَ ثُمَّ بِمُوسَى ثُمَّ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ).

لماذا لم يتوجه الناس في أرض المحشر إلى الله تعالى مباشرةً، بل توجهوا إلى الأنبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام؟ والذي يخبرنا بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، فهل قال عنهم: كفروا وأشركوا وسألوا غير الله، أم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي استغاثوا به ليشفع لهم؟

ثالثاً: أما في البرزخ: فأولاً: أنقل كلام ابن القيم في كتاب الروح قال: صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، وأنه صلى الله عليه وآله وسلم اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس، وفي السماء خصوصاً بموسى، وقد أخبر بأنه: ما من مسلم يسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام. روى أبو داود بإسناد رجاله ثقات ـ كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح ـ عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلا رَدَّ اللَّهُ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ) إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم، وإن كانوا موجودين أحياء وذلك كالحال في الملائكة، فإنهم أحياء موجودون ولا نراهم. اهــ.

ثانياً: قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: وَرَوَى اِبْن أَبِي شَيْبَة بِإِسْنَادٍ صَحِيح مِنْ رِوَايَة أَبِي صَالِح السَّمَّانِ عَنْ مَالِك الدَّارِيّ ـ وَكَانَ خَازِن عُمَر ـ قَالَ: أَصَابَ النَّاس قَحْط فِي زَمَن عُمَر، فَجَاءَ رَجُل إِلَى قَبْر النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّه اِسْتَسْقِ لأُمَّتِك فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا، فَأَتَى الرَّجُلَ فِي الْمَنَام فَقِيلَ لَهُ: اِئْتِ عُمَر فَأَقرِئهُ السَلامَ، وَأَخْبِرهُ أَنَّكُم مُسْقَونَ، وَقُلْ لَه: عَلَيْكَ الكَيِّس! عَلَيْكَ الكَيَّس! فَأَتَى عُمَرَ فَأَخبَرَهُ فَبَكَى عُمَر ثُمَّ قَالَ: يَا رَبِّ لا آلُو إِلَّا مَا عَجَزْتُ عَنه).

فهذا الحديث يُثْبِت بلا شك ولا ريب إجماع من حضر من الصحابة في زمن سيدنا عمر رضي الله عنهم على جواز الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى، ونحن مقتدون بالصحابة في ذلك.

وقال الإمام الداراميّ في صحيحه عن أبي الجوزاء قال: (قُحِطَ أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة رضي الله عنه فقالت: فانظروا قبر النبي صلى الله عليه وسلم فاجعلوا منه كوة إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ففعلوا فمطروا، حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم، فسمى عام الفتق).

لماذا فعلت السيدة عائشة رضي الله عنها هذا؟ والصحابة الذين فعلوا هذا ووافقوها هل أشركوا؟ هل ابتدعوا؟ هل ضلوا؟ نستغفر الله تعالى من هذا.

وكان ابن حجر العسقلاني يقول في ديوانه:

نبيَّ الله يـا خيرَ البرايا *** بجاهك أتَّقي فصلَ القضاء

وأرجو يا كريمُ العفوَ عمَّا *** جنته يداي يا رب الحَباء

فكعب الجود لا يرضى فداءً *** لنعلك وهو رأس في السخاء

وسنَّ بمدحك ابن زهير *** لمثلي منك جائزة الثناء

فقل يا أحمد بن علي اذهب *** إلى دار النعيم بلا شقاء

فإن أحزن فمدحك لي سروري *** وإن أقنط فحمدك لي رجائي

فمن انتقد بعض أبيات البوصيري رحمه الله تعالى فلينتقد أبيات الحافظ ابن حجر.

وقال الإمام النووي في المجموع مبيناً ما يستحب أن يقوله من يزور النبي صلى الله عليه وسلم إذا وقف أمام القبر الشريف مخاطباً رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نصه: (ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتوسل به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى، ومن أحسن ما يقول ما حكاه الماوردي و القاضي أبو الطيب وسائر أصحابنا عن العتبي مستحسنين له قال: (كنت جالساً عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول: {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا} وقد جئتك مستغفراً من ذنبي مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول:

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه فطاب من طيبهنَّ القاع والاكم

نفسي الفداء لقبر أنـت ساكنه فيه العفاف وفيه الجود والكرم

ثم انصرف، فحملتني عيناي فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال: يا عتبي الحق الأعرابي فبشره بأن الله تعالى قد غفر له).

والقصة ثابتة تناقلها العلماء، وعلى فرض أنها مكذوبة فالعبرة باستحسان النووي وسائر الشافعية لهذه الصيغة المذكورة في قصة العتبي، فهل يستحسنون الشرك، ولا يميزون بين الشرك والإيمان؟

فانظر رحمك الله تعالى وهداك إزاي العلماء استحسنوا الصيغة دي في نداء النبي صلى الله عليه وسلم، وطلب العفو وإنه يستغفر الله له. وإحنا ما بنعملش غير كده وما بنستحبش غير ده، وما بنزودش على اللي ورد في الأحاديث المتقدمة أو اللي جه عن العلماء الكبار في العلم، وما بنعتقدش في المخلوقين إنهم بيرزقوا بذاتهم أو بيحيوا ويميتوا. فالله تعالى بيّن لنا في كتابه إن إسناد الفعل لغيره على طريق المجاز مش شرك، لكن نعمل إيه مع اللي ما بيفهمش المجاز وبينكره بشدة. قال تعالى في شأن سيدنا عيسى عليه السلام: {وَأُبْرِىءُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِـي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ}. فلو حد قال إن سيدنا عيسى عليه السلام كان بيحيي الموتى وبيبرئ الأكمه والأبرص، ما يبقاش كافر، مع إن الله تعالى هو محيي الموتى حقيقة وهو اللي بيبرئ الأكمه والأبرص، وكلنا بنعتقد إن التأثير لله مش لسيدنا عيسى. وكمان لو حد استغاث برسول الله صلى الله عليه وسلم راجياً إنه يدعو الله له في تفريج مصيبته أو كربه معتقداً إنه حيٌّ في قبره وبيوصله سلام أمته أينما كانوا وتعرض عليه أعمالهم، ما يبقاش ده شرك عند اللي تجرد من العصبية واتقى الله تعالى، بل هيتحقق إن ده سنة وردت بها الأحاديث الصحيحة، ونص عليها علماء الأمة الثقات من السلف والمحدثين.

وأخيراً أقول: ما ينفعش المسلمين يشغلوا نفسهم بالمسائل دي ويخلوها قضايا يحمل بعضهم فيها سيف الكلام على صاحبه، فيكون جهاد في غير معركة، وده يكون سبب في تفريق الصفوف وبعثرة الجهود ويشغلنا عن بناء مجتمعاتنا ووحدة أمتنا، فضلاً عن إنهم يكفروا بعضهم بعضاً.

والله هو الموفق والمعين وهو الهادي إلى الطريق المستقيم

اترك تعليقاً

Sahifa Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.