السلفية المعاصرة وخطر الخطاب المتشدد
adminaswan
25 مارس، 2026
الخوارج عبر العصور
8 زيارة

بقلم الشيخ : عبدالله قدري
في السنوات الأخيرة، برز نمط من الخطاب الديني يتسم بالتشدد والصرامة، يغلب عليه التخويف والترهيب، حتى صار هو الصوت الأعلى في بعض المساحات الدعوية. هذا الخطاب – الذي يُنسب إلى ما يُعرف بالسلفية المعاصرة – يحتاج إلى مراجعة جادة، لا من باب الخصومة، بل من باب النصيحة للدين، والشفقة على الخلق.
إن المتأمل في هذا الخطاب يجد أنه يرتكز بصورة شبه دائمة على إثارة الخوف: حديث متكرر عن النار، وعذاب القبر، والتحذير من الشرك، حتى صار الدين عند بعض الناس مرادفًا للرعب والقلق. ولا شك أن هذه المعاني ثابتة في الشرع، وهي جزء من منظومة الهداية، لكن الإشكال ليس في وجودها، بل في اختلال ميزانها.
لقد جاء النبي ﷺ بمنهج متكامل، يجمع بين الخوف والرجاء، وبين الترهيب والترغيب، وكان شعاره الواضح: “بشّروا ولا تنفّروا”. فالتبشير أصل، والتيسير مقصد، والرحمة روح هذا الدين. ولم يكن ﷺ داعيةَ تخويفٍ مجرد، بل كان داعيةَ أملٍ، يفتح للناس أبواب القرب من الله، قبل أن يغلق عليهم أبواب الخوف.
أما تضخيم جانب الخوف وحده، فإنه قد يؤدي إلى نتائج عكسية وخطيرة. فبعض النفوس إذا أُغرقت في خطاب التخويف، دون أن تجد بابًا للرجاء، إما أن تنكسر وتيأس، أو تتمرد وتفرّ. وهنا تتشكل مفارقة مؤلمة: خطابٌ يُراد به حماية الدين، فإذا به يدفع بعض الناس بعيدًا عنه.
ومن هنا يمكن فهم العلاقة الخطيرة بين الخطاب المتشدد، وبين ظاهرتين متناقضتين في الظاهر، متصلتين في الجذور: الإرهاب والإلحاد.
فالتشدد إذا وقع في نفسٍ متحمسة غير منضبطة، قد يتحول إلى غلوٍ يبرر العنف، ويرى الناس في صورة خصوم أو أعداء. وإذا وقع في نفسٍ حساسة تبحث عن الرحمة والسكينة، قد يدفعها إلى النفور، ثم إلى الشك، ثم إلى الإنكار.
والسبب في الحالتين واحد:
غياب التوازن.
فالدين الذي جاء رحمةً للعالمين، لا يمكن أن يُختزل في خطابٍ يغلب عليه الوعيد، ويغيب عنه جمال الرحمة الإلهية، وسعة المغفرة، ولطف الله بعباده.
إن الخوف من الشرك – وهو أعظم الذنوب – أمر مشروع، بل واجب، لكن تقديمه بصورة مفرطة، وبأسلوب يملأ القلوب رعبًا ووسواسًا، قد يُفسد أكثر مما يُصلح. وقد كان النبي ﷺ يربي أصحابه على التوحيد بثقة وطمأنينة، لا بهلع واضطراب، ويغرس فيهم محبة الله قبل الخوف منه.
إن الحاجة اليوم ليست إلى مزيد من الصراخ، بل إلى خطابٍ يعيد التوازن؛ خطابٍ يُحيي القلوب بدل أن يرهقها، ويقرب الناس إلى الله بدل أن ينفّرهم عنه. خطابٍ يرى الإنسان مشروع هداية، لا متهمًا دائمًا.
وفي الختام، فإن إصلاح الخطاب الديني مسؤولية مشتركة، لا تستهدف طائفة بعينها، بل تسعى إلى إعادة تقديم الدين كما جاء: رحمة، وهدى، ونورًا.
وإذا أردنا أن نحفظ أبناءنا من التطرف أو الانفلات، فلا بد أن نُحسن عرض الدين عليهم؛ فإن القلوب إذا أُشبعت بالرحمة، استقامت، وإذا أُرهقت بالخوف وحده، اضطربت أو انحرفت.
فالدين الذي يبدأ بالبشارة، أقدر على الثبات، من خطابٍ لا يعرف إلا الإنذار.