تعليق شراح الحديث على سؤال: (أين الله؟)
adminaswan
25 مارس، 2026
عقيدة السلف الصالح
5 زيارة

خادم الجناب النبوي الشريف
أ.د : محمد إبراهيم العشماوي
أستاذ الحديث الشريف وعلومه في جامعة الأزهر الشريف
تعليق شراح الحديث على سؤال: (أين الله؟)
بغضِّ النظر عن ما قيل في تضعيف الرواية التي وقع فيها السؤال “بأين الله؟”، وجوابه: “في السماء”، وهي في صحيح مسلم وغيره، وإن أنكر البيهقي وقوع قصة الجارية في صحيح مسلم، وكونها مخالفة لما تواتر من هديه صلى الله عليه وسلم، في سؤاله عن الشهادتين، فبهما يصير المرء مسلما، لا بعلمه بأن الله في السماء، وأكثر الروايات قد خلت من هذا السؤال، وفي بعضها: “من ربك؟”، لا “أين الله؟”.
أقول: بغض النظر عن كل هذا، وعلى فرض صحة الرواية التي وقع فيها هذا السؤال وهذا الجواب؛ فإن جمهور شراح الحديث اتفقوا على أن السؤال والجواب ليس على حقيقته، وأنه من المَشْكِل؛ لما تقرر شرعا وعقلا من تنزيه الباري عز وجل عن المكان والتحيز والجهة!
قال الحافظ ابن فُورك في [مشكل الحديث]:
“ظاهر اللغة يدل أن “أين” موضوعة للسؤال عن المكان، وهذا هو أصل هذه الكلمة، غير أنهم قد استعملوها عن مكان المسؤول عنه، في غير هذا المعنى، وذلك أنهم يقولون عند استعلام منزلة المستعلم عند من يستعلمه: “أين منزلة فلان منك، وأين فلان من الأمير؟”، واستعملوه في استعلام الفرق بين الرتبتين بأن يقولوا: “أين فلان من فلان؟”، وليس يريدون المكان والمحل، بل يريدون الاستفهام عن الرتبة والمنزلة، فإذا كان ذلك مشهوراً في اللغة؛ احتمل أن يقال: “إن معنى قوله صلى الله عليه وسلم “أين الله”؛ استعلام لمنزلته، وقدره، عند الجارية، وفي قلبها، أي: هو رفيع الشأن، عظيم المقدار”. انتهى بتصرف
وقال الإمام الخطّابي في [معالم السنن] وهو شرح [سنن أبي داوود]:
“هذا السؤال عن أمارة الإيمان، وسِمة أهله، وليس بسؤال عن أصل الإيمان، وصفة حقيقته، ولو أن كافراً يريد الانتقال من الكفر إلى دين الإسلام، فوصف من الإيمان هذا القدر الذي تكلمت به الجارية؛ لم يَصِرْ به مسلماً، حتى يشهد أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتبرى من دينه الذي كان يعتقده”.
وقال الإمام أبو الوليد الباجي في [المنتقى شرح الموطأ]:
“وقوله ﷺ: للجارية: “أين الله؟”، فقالت: “في السماء”، لعلها تريد وصفه بالعلو، وبذلك يوصف كل مَن شأنُه العلو، فيقال: “مكانُ فلانٍ في السماء”، بمعنى علو حاله، ورفعته، وشرفه”.
وقال الإمام المازَري في [المُعْلم بفوائد مسلم]:
“إنّما وَجْهُ السؤال بـ (أين) هاهنا؛ سؤال عما تعتقده، من جلال الباري تعالى، وعظمته، وإشارتها إلى السماء إخبار عن جلالته سبحانه في نفسها، والسماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين، فكما لم يدلّ استقبال الكعبة على أن الله جلت قدرته فيها، لم يدل التوجه إلى السماء، والإِشارة على أن الله تعالى حالٌّ فيها”.
وقال الإمام شرف الدين الطيبي في [الكاشف عن حقائق السنن]:
“لم يُرد السؤال عن مكانه؛ فإنه منزه عنه، والرسول ﷺ أعلى من أن يَسأل أمثال ذلك، بل أراد أن يتعرف أنها موحدة أو مشركة؛ لأن كفار العرب كانوا يعبدون الأصنام، فكان لكل قوم منهم صنم مخصوص، يكون فيما بينهم، يعبدونه، ويعظمونه، ولعل سفهاءهم وجهلتهم كانوا لا يعرفون معبودًا غيره، فأراد أن يتعرف أنها ما تعبد، فلما قالت: “في السماء”، وفي رواية: “أشارت إلى السماء”؛ فهم منها أنها موحدة، تريد بذلك نفي الآلهة الأرضية التي هي الأصنام، لا إثبات السماء مكانًا له تعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا”.
وقال الإمام النووي في [شرح مسلم]:
“قوله صلى الله عليه وسلم: “أين الله؟، قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها؛ فإنها مؤمنة”، هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان تقدم ذكرهما مرات في كتاب الإيمان.
أحدهما: الإيمان به، من غير خوض في معناه، مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء، وتنزيهه عن سمات المخلوقات.
والثاني: تأويله بما يليق به، فمن قال بهذا قال: “كان المراد امتحانها، هل هي موحدة تقرّ بأنّ الخالق المدبر الفعال هو الله وحده، وهو الذي إذا دعاه الداعي؛ استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة، وليس ذلك لأنه منحصر في السماء، كما أنه ليس منحصراً في جهة الكعبة، بل ذلك لأنّ السماء قبلة الداعين، كما أن الكعبة قبلة المصلين، أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم، فلما قالت: “في السماء”؛ علم أنها موحدة، وليست عابدة للأوثان”.
وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر العسقلاني في [فتح الباري]:
“..فحكم بإيمانها، مخافة أن تقع في التعطيل، لقصور فهمها عما ينبغي له من تنزيهه، مما يقتضي التشبيه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا”.
وقال أيضا عند شرح حديث النزول:
“استدل به مَن أثبت الجهة، وقال: “هي جهة العلو”، وأنكر ذلك الجمهور؛ لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز، تعالى الله عن ذلك”.
وقال الإمام البدر العيني في [عمدة القاري شرح صحيح البخاري]:
“إنما أراد ﷺ أن يَتطلبَ دليلًا على أنها مُوحِّدَة، فخاطبَها بما يفهم قصدها؛ إذ من علامات الموحِّدين؛ التوجهُ إلى السماء، عند الدعاء، وطلب الحوائج؛ لأن العرب التي تعبدُ الأصنامَ؛ تطلب حوائجها من الأصنام، والعجم من النيران، فأرادَ ﷺ الكشفَ عن مُعتقدها، هل هي من جملة من آمن، فأشارت إلى السماء، وهي الجهة المقصودة عند الموحدين”.
وقال العلامة المُناوي في [فيض القدير شرح الجامع الصغير]:
“فأشارت إلى السماء، معبرة عن الجلال والعظمة، لا عن المكان، وإنما يُنسب إلى السماء؛ لأنها أعظم وأوسع من الأرض، أو لعلوها وارتفاعها، أو لأنها قبلة الدعاء”.
ولما ذكر الإمام تاج الدين السبكي في [طبقات الشافعية الكبرى] الأبيات المنسوبة لعبد الله بن رواحة:
شهدتُ بأنَّ وعدَ اللهِ حقٌّ
وأنَّ النارَ مَثْوَى الكافريـنا!
وأنَّ العرشَ فوقَ الماءِ طافٍ
وفوقَ العرش ربُّ العالمينا!
قال عقبها:
“ما أحسن قول الإمام الرافعي في [كتاب الأمالي] – وقد ذكر هذه الأبيات -:
“هذه الفوقية فوقية العظمة والاستغناء، في مقابلة صفة الموصوفين بصفة العجز والفناء” انتهى.
مع أنه لا تثبت هذه الأبيات عن عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، وسندها منقطع، كما اعترف بذلك الذهبي في كتابه [العلو]!
قلت: فهذا كلام جمهور شراح الحديث، أفَترى هؤلاء جميعا لا يعرفون مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويحرفون كلامه عن مواضعه؟!
وإنما كتبت هذا المقال؛ لأنني ذكرت في مقطع فيديو؛ أن “أين” لا يُسأل بها دائما عن المكان، وإنما قد تأتي لمعانٍ أُخَر، فاعترض معترضون على كلامي، فأحببت أن أذكر لهم أن هذا كلام جمهور الشراح، وليس كلامي!
وكل من له ذوق بلغة العرب؛ يعلم أنه لا يراد بـ “أين” دائمًا المكان، ولا يقول بهذا إلَّا مَنْ كان جاهلًا بلغة العرب!
ففي نحو قوله تعالى: {وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ} [القصص: 74]، وفي نحو الحديث الصحيح: “أينَ المُتأَلِّي على اللَّهِ، لا يَفعَلُ المَعروفَ؟”، وفي نحو الحديث الصحيح: “إنَّ اللهَ عَزَّ وجَلَّ يقولُ يَومَ القيامَةِ: أينَ المُتَحَابُّونَ بجَلالِي؟ اليَومَ أُظِلُّهُم في ظِلِّي يَومَ لا ظِلَّ إلَّا ظِلِّي”.
إلى غير ذلك من النصوص المشهورة التي لا يراد السؤال فيها بـ “أين” عن المكان، بل المراد المنزلة والمكانة ونحو ذلك.
ومما يؤكد هذا – فيما نحن بصدده – أنه قد جاءت رواية أخرى، بلفظ صريح صحيح، يؤكد ما قررناه، فلم تأت لفظة: “أين الله؟”، بل سألها رسول الله: “مَنْ رَبُّكِ؟”. قَالَتْ: “اللهُ”. قَالَ: “مَنْ أَنَا؟”. فَقَالَتْ: “أَنْتَ رَسُولُ اللهِ”، قَالَ: “أَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ”.
أخرجها أبو داود في [سننه]، والنسائي في [المجتبى]، وأحمد بن حنبل في [مسنده]، والدارمي في [سننه]، وابن حِبَّان في [صحيحه]، والبيهقي في [سننه الكبرى]، عَنْ الشَّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: “أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: “إِنَّ أُمِّي أَوْصَتْ أَنْ تُعْتَقَ عَنْهَا رَقَبَةٌ، وَإِنَّ عِنْدِي جَارِيَةً نُوبِيَّةً، أَفَيُجْزِئُ عَنِّي أَنْ أُعْتِقَهَا عَنْهَا؟”. قَالَ: “ائْتِنِي بِهَا”، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “مَنْ رَبُّكِ؟”. قَالَتْ: “اللَّهُ”. قَالَ: “مَنْ أَنَا؟”. قَالَتْ: “أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ”. قَالَ: “فَأَعْتِقْهَا؛ فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ”.
وأعجب من ذلك أن هلال بن أبي ميمونة، راوي الحديث، الذي جاء هذا السؤال من طريقه، بلفظ: “أين الله؟”، في [صحيح مسلم]؛ قد رواه أيضا بلفظ: “من ربّك؟”، كما رواه فُليح بن سليمان عنه، أخرجه ابن قانع في معجم [الصحابة] قال: حدثنا محمد بن أحمد بن البراء، نا مُعافى بن سليمان، نا فُليح، عن هلال، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم، أنه أراد عتق أَمَةٍ له سوداء، فأتى بها النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لها: “من ربك؟”. قالت: “الذي في السماء”. فقال لها: “من أنا؟”. قالت: “رسول الله صلى الله عليه وسلم”. قال: “أعتقها ؛ فإنها مؤمنة”.
هذا ما تيسر لي جمعه وتحريره من كلام أهل العلم.
وبالله التوفيق.