الرئيسية / التصوف / شبهات حول قضايا التصوف / فتوى العلامة محمد شارف الحسني المالكي الأشعري رحمه الله فى قراءة القرآن على الميت

فتوى العلامة محمد شارف الحسني المالكي الأشعري رحمه الله فى قراءة القرآن على الميت

السؤال: ما حكم قراءة القرآن على الميت؟

الجـواب:
جاء في مختصر خليل المالكي رحمه الله في باب الصلاة على الجنازة: ((وقراءة عند موته، كتجمير الدار وبعده، وعلى قبره))(1) ـ يعني به كراهة ذلك لأنه ـ كما قال الدردير ومحشيه الدسوقي: ((ليس من عمل السلف))، ويقصدان بذلك أنه ليس من عمل أهل المدينة، وكل ما كان كذلك فعمله مكروه لمخالفته لأهل المدينة في عدم العمل به عندهم.

فهذا ما ذهب إليه خليل رحمه الله، ونقله ابن أبي جمرة فقال: ((إننا مكلفون بالتفكر فيما قيل لهم، وماذا لقوا، ومكلفون بالتدبر في القرآن، فآل الأمر إلى إسقاط أحد العملين))(2). ثم إن شراح المختصر ومنهم الدردير قال بعد أن ساق نص المختصر في : ((…إن فعلت القراءة استنانا، أي على اعتقاد أنها سنة ـ فحينئذ يكره لأنه ليس من عمل السلف))، ثم قال بعد هذا: ((لكن المتأخرين على أنه لا بأس بقراءة القرآن والذكر وجعل ثوابه للميت، ويحصل له الأجر إن شاء الله))، وقال: ((وهو مذهب الصالحين من أهل الكشف)).اهـ كلام الدردير(3).

وقال الدسوقي محشي الدردير: ((قال ابن هلال في نوازله: الذي أفتى به ابن رشد، وذهب إليه غير واحد من أئمتنا الأندلسيين أن الميت ينتفع بقراءة القرآن، ويصل إليه نفعه إذا وهب القارئ ثوابه له، فقال: وبه جرى عمل المسلمين شرقا وغربا، ووقفوا على ذلك أوقافا واستمر عليه الأمر في أزمنة سالفة))(4)اهـ.

وفي مختصر تذكرة القرطبي لعبد الوهاب الشعراني في باب ما جاء في قراءة القرآن عند القبر حال الدفن وبعده، وأنه يصل إلى الميت ثواب ما يقرأ ويدعى له ويستغفر له ويتصدق عليه ما نصه: ((كان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يقول: إذا دخلتم المقابر فاقرأوا فاتحة الكتاب والمعوذتين و”قل هو الله أحد…”، واجعلوا ثواب ذلك لأهل المقابر فإنه يصل إليهم، وكان رحمه الله ينكر قبل ذلك وصول الثواب من الأحياء للموتى، حتى حدثه بعض الثقاة: ((أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أوصى إن دفن أن يقرأ عند رأسه فاتحة الكتاب وخاتمة سورة البقرة))، فرجع عن ذلك…قال: ويؤيد هذا ما رواه الحافظ السلفي مرفوعا: “من مر على قبر من مقابر المسلمين فقرأ: {قل هو الله أحد…} إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجره للأموات أعطِيَ من الأجر بعدد الأموات”(5).

قال القرطبي رحمه الله: ((وقد أجمع العلماء على وصول ثواب الصدقة للأموات، وكذلك القول في قراءة القرآن والدعاء والاستغفار، إذ الكل صدقة، ويؤيد هذا حديث: “كل معروف صدقة”(6)، فلم يخص الصدقة بالمال، وكذلك يؤيده حديث: “الميت في قبره كالغريق المغوث ينتظر دعوة تلحقه من أبيه أو أخيه أو صديق له، فإذا لحقته كانت أحب إليه من الدنيا وما فيها”(7)، وإن هدايا الأحياء للأموات الدعاء والاستغفار)).اهـ من مختصر التذكرة(8).

وفي التعليق الميسر على ملتقى الأبحر(9) عند ذكره لهذا ظاهره الجواز، أي جواز قراءة القرآن وإهداء ثوابه للميت، ويؤيده حديث: “من قرأ: “قل هو الله أحد…” إحدى عشرة مرة، ثم وهب أجره للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات”(10))).اهـ.

وروى مسلم بسنده أن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: ((إذا دفنتموني فأقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم، وأعلم ماذا أراجع به رسل ربي))(11)، وقال النووي: ((قال الشافعي: ويستحب أن يقرأ عنده شيء من القرآن، وإن ختموا القرآن كله كان حسنا))(12).

ويناسب هذا ما رواه أبو داود رحمه الله أن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: “كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فُرِغَ من دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم وسلوا له التثبيت، فإنه الآن يسأل”(13). ويستنبط منه أن الميت إذا استأنس ببقاء الحي عنده بعد دفنه، وطلب التثبيت والاستغفار، فقراءة القرآن أولى، لأنه خير ما يقرأ وما يقال، لقوله صلى الله عليه وسلم: “إن خير الحديث كتاب الله”(14)، ولقوله صلى الله عليه وسلم: “أفضل عبادة أمتي تلاوة القرآن”(15).

نفعنا الله به في الدنيا وعند القبر ويوم الدين، آمين.
___________________
(1) مختصر خليل ص 56.
(2) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير على مختصر خليل للدردير (1/423).
(3) الشرح الكبير على مختصر خليل للدردير (1/423).
(4) حاشية الدسوقي على شرح الدردير لمختصر خليل (1/423).
(5) كشف الخفاء للعجلوني (2/272)، رقم 2630. وقال: رواه الرافعي في تاريخه عن عليّ.
(6) أخرجه البخاري (10/462) [كتاب الأدب/باب كل معروف صدقة]، رقم 6021. ومسلم (2/697) [كتاب الزكاة/بيان اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف]، رقم 1005/52.
(7) انظر الحديث في شعب الإيمان للبيهقي [باب في بر الوالدين/فضل حفظ حق الوالدين بعد موتهما]، (6/203)، رقم 7905. و[باب الصلاة على من مات من أهل القبلة/فضل زيارة القبور]، (7/16)، رقم 9295. وانظر: ميزان الاعتدال في نقد الرجال للذهبي (3/496). ولسان الميزان لابن حجر (5/99).
(8) مختصر تذكرة القرطبي لعبد الوهاب الشعراني ص 46 ـ 47.
(9) ملتقى الأبحر، لإبراهيم بن محمد الحلبي، ومعه التعليق الميسر على ملتقى الأبحر، تحقيق وهبي سليمان غاوجي الألباني (1/166).
(10) سبق تخريجه في جواب هذا السؤال.
(11) أخرجه مسلم [كتاب الإيمان/باب كون الإسلام يهدم ما قبله، وكذا الهجرة والحج]، (1/112 ـ 113)، رقم 192/121.
(12) ذكره النووي في كتاب الأذكار ص 212.
(13) أخرجه أبو داود (3/215) [كتاب الجنائز/باب الاستغفار عند القبر]، رقم 3221. والحاكم [كتاب الجنائز] (1/370).
(14) أخرجه مسلم (2/592) [كتاب الجمعة/باب تخفيف الصلاة والخطبة]، رقم 876/43.
(15) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (2/354) [باب تعظيم القرآن/فصل في إدمان تلاوته]، رقم 2022.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.