الرئيسية / الخواطر الإيمانية / تفسير بعض الآيات من سورة الفتح لفضيلة الشيخ محمد عبدالله الأسوانى

تفسير بعض الآيات من سورة الفتح لفضيلة الشيخ محمد عبدالله الأسوانى

الآية :29

 [ مُّحَمَّدٌ ]

هو العبد المحمود بكل المحامد الإلهية بكمال الخلق المحمود أزلاً من قبل ربه المأذون له بالدعوة إليه ، قال تعالى ” وداعيا ً ” نور جميع العوالم صاحب الشفاعة الرسول الذى أُرسلت الأنبياء بالبشارة به واسم ” محمد ” أى واقع عليه الحمد من خالقه , فإنه رضا عنه فجمع فيه كمال الخليقة التى يحبها الله فكان محموداًَ عند ربه ذاتاً وصفاتاً .

[ رَّسُولُ اللَّهِ ]

 والرسول قد يكون بين الملوك وبعضها البعض أو الناس وبعضها ، والرسل يحملون الرسائل بين البلاد والأمصار بما تحمله من مسرات وأحزان وأخبار وأنباء ، ولكن هنا الرسالة الحقيقية وهى أن يبعث الله رسولاً من بنى آدم يدعو إلى الله ، مأموراً برسالة يبلغها ويرسل إليه ملك الوحى جبريل عليه السلام فينبأه برسالة ربه إلى قومه ، والوحى أنواع منها ما ذكرنا ومنا الإلهام ومنها الرؤية فى المنام ومنها مخاطبة الله لصاحب الرسالة ومنها مخاطبة ملك من الملائكة غير جبريل عليه السلام والرسالة قد تكون عامة وقد تكون خاصة ، ورسول الله أى مرسول من قبل الله إلى الناس عامة وهو رسول الحقيقة لأنه صاحب الشرف الناسخ غير المنسوخ لأن الكل جاء مبشراً به ، ما بعث الله سبحانه وتعالى نبى إلا أخذ الميثاق على قومه أن يتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولفظ الجلاله الله علم على الذات ، العلية صاحبة التقديس والتمجيد الذى لا شريك له فى الوجود .

[ وَالَّذِينَ مَعَهُ ]

 الذين اسم موصول وصله رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن معه أى فى معيته على ما عليه من النور ، أى يحملون معه ما حمل من رسالة الله إلى الخلق فهم تلاميذ محمد صلى الله عليه وسلم ، وتشمل أصحابه وأتباعه الذين حملوا عبء أن تصل الرسالة إلى جميع الناس فى جميع العصور إلى ظهور الخليفة المهدى المنتظر فى آخر الزمان فتصل رسالة النبى صلى الله عليه وسلم فى عهده إلى جميع ما عليها من القوة والنصرة حتى ينزل عيسى عليه السلام فيتبع الرسالة ويقاتل عليها اليهود والنصارى ، والمعية تعنى أنهم على صورة محمد صلى الله عليه وسلم فى الخلق والدين والعبادة والمعاملة .

[ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ ]

 ثم بدأ فى وصف أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولتعلم أن هذه الأوصاف مذكورة فى التوراه لأمة موسى عليه السلام من عهد موسى إلى عهد المسيح عليه السلام ، وفى هذا يظهر جلياً واضحاً أن هذه الأمة كانت قدوة لجميع الأمم وأن الله ضرب بهم المثل فى الكتب السابقة بما لهم من الفضل والمزية ، وليستحث الأمم على الإقتداء بهم حتى يذكوا إلى الله فيرضى عنهم الله فبدأ بذكر مزايا أمة محمد صلى الله عليه وسلم لنعرف أن فى مقابلها عيوب أمة موسى عليه السلام من بنى إسرائيل . والمزية شدة أمة محمد على الكفار والعيب ضعف أمة موسى على الكفار .

وبنى إسرائيل عندما سألهم نبيهم موسى عليه السلام أن يدخلوا الأرض المقدسة ويقاتلوا الجبارين الكفار ماذا قالوا لنبيهم كما ذكر القرآن ” اذهب أنت ” لم يذهبوا مع نبيهم إلى الحرب وقالوا إن فيها قوماً جبارين فحكم الله عليهم بالتيه أربعون عاماً حتى قادهم يوشع نبى الله بعد أن فنى منهم أجيال ودل بهم الأرض المقدسة فهذه الصفة فيهم .فذكرهم الله بأمة محمد صلى الله عليه وسلم وأنهم لن يفعلوا ما تفعلون أنتم مع نبيكم ويظهر هذا الموقف واضحاً جلياً يوم أن خرج الرسول عليه الصلاة والسلام مع أصحابه إلى حرب المشركين فى غزوة بدر ، ماذا قال لنبى الله ؟ اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم مقاتلون فاوالله يا رسول الله لو استعرضت هذا البحر فخضته لخضناه معك وما تخلف منا رجل واحد وإنا لصبر فى الحرب فهذا أول شئ أمرهم فيه بالإقتداء بهذه الأمة المباركة .

[ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ ]

ثم ذكرت التوراة صفة آخرى من صفات أمة محمد صلى الله عليه وسلم والرحمة التى بينهم كما قال صلى الله عليه وسلم فى الحديث ” ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا “ وكما حملت لنا حياتهم من أمثلة الرحمة التى كانت تسود بينهم حتى فى مواطن الحرب , أما بنى إسرائيل فكما وصفهم القرآن يسفكون دمائهم وكذلك يأكلون أموالهم بينهم بالباطل حتى قتلوا أنبيائهم وقتلوا بعضهم البعض كأنما تريد منهم التوراة الإقتداء بأمة محمد صلى الله عليه وسلم .

[ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً ]

وهذا الوصف دليل خضوعهم لله وأنهم فى تبتل وعبادة لربهم كما وصفهم القرآن وكذلك أن الركوع والسجود كناية عن التواضع فى كل ما يختص بهم , أما بنى إسرائيل فإنهم لم يعرفوا فضل الله عليهم , وأنهم خرجوا من البحر بعد أن أغرق الله عدوهم فرعون سألوا موسى عليه السلام أن يصنع لهم إله , وكذلك عندما ذهب موسى إلى المناجاة صنع لهم السامرى عجلاً عبدوه من دون الله , كذلك سؤالهم لنبيهم أن يروا الله جهرة فكل هذا دليل على عدم عبادتهم الخالصة فكأن الله يضرب لهم المثل بأمة محمد صلى الله عليه وسلم .

[ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً ]

ثم ذكر سبب ركوعهم وسجودهم وهوائهم يبتغون رضا خالقهم وفى هذا قمة الإخلاص لله . أما بنى إسرائيل فإنهم كانوا يريدون بعبادتهم رياء الناس وأخذوا أموالهم , فإنهم لم يكونوا يريدون وجه الله , لذلك طردهم من رحمته بعد أن كانوا شعب الله المختار فلم يصلحوا لحمل رسالة الله .

[ سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُود ِ]

أى فى وجوههم نور الإيمان فوجوههم كالأقمار على أن ماتحتويه قلوبهم أضعاف أضعاف ما فى وجوههم ولكن أظهر على وجوههم بعض ما فى قلوبهم علامة على صلاح حالهم ودعوة لغيرهم ليحذوا حذوهم فإنهم هداة مهتدون , كما أن النبى صلى الله عليه وسلم سيعرفهم بهذه السيما يوم القيامة كما فى الحديث [ غرًا محجلين من آثار الوضوء ] .

أما فى بنى إسرائيل فكانت تظهر عليهم سيما الشقاء وكان أحدهم إذا أذنب تكتب سيئته على باب داره , أما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله يسترهم ويغفر لهم . أما بنى إسرائيل فإن الله مسخهم قردة وخنازير وفضحهم فتظهر سيما الشر فى وجوههم قتلة الأنبياء سفاكي الدماء حتى أمسوا وأضحوا فى غضب من الله , فكانت وجوههم مسودة بخطاياهم وبغيهم .

[ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ ]

 أى هذا المثل فى توراة موسى مضروب للأمة على مكانة وأفضلية هذه الأمة على الأمم وأن هذا جزاء مما ضرب الله به المثل وأن أمثالهم فى الكتب السابقة كثيرة قدوة للأمم .

[ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيل ِ]

ثم عطف مثل الإنجيل على مثل التوراة لأن أهل الإنجيل يؤمنون بالتوراة ولا يؤمن أهل التوراة بالإنجيل أى كأنما زاد عن الأمثال التى ضربت فى التوراة بمثلاً فى الإنجيل ليقتدى أهل الإنجيل بهذه الأمة فتكون بهذا مواستهم حتى يصبر المؤمنون بالمسيح أى أنه عبد الله ورسوله على أذى اليهود وعلى المشركين الذين ادعوا أن عيسى هو الله أو ابن الله لأنه أصابهم بعد رفع المسيح عليه السلام أذى كثير كما أصاب المسلمين فى مكة على أيدى الكفار حتى كان يوضع على الرجل منهم الحجر الذى يحمله عشرة من الرجال و كانت تقطع الأيدى وتفقع الأعين ويطفئ الحديد المحمى فى الظهور ولا يردهم ذلك عن دينهم حتى قتلت أم عمار بن ياسر فى هذا العذاب ولم يردهم هذا عن دينهم .

[ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ ]

 الكاف للتشبيه شبههم بفروع الزرع الصغير يكون ضعيفًا ثم يشتد عوده ويقوى

[ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ ]

 أعان بعضه بعضًا وأعانه الله واستوى أى اكتمل على سيقانه فأصبح له قوة يقاوم بها الرياح والعواصف من الكفر والضلال .

[ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ ]

أى الأنبياء والمعلمون الذين يعلمون الناس الخير يعجبوا بما زرعوا من الخير فى قلوب أتباعهم .

[ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ ]

 أى حتى يحزن الكفار إذا رأوا الحق قد علا ودين الله قد عم وفى هذا إغاظة لهم وحزن لأن هذا خلاف سوادهم .

[ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ]

 أى الذين أيقنوا بما دعاهم إليه رسلهم والإيمان جوهر نور فى القلب يهدى صاحبه إلى الله وهو معنوى يشعر به صاحبه .

[ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ]

الواو للعطف لأن الإيمان يقين فى القلب وعمل يصدق هذا اليقين فلا يصلح إيمان بغير عمل صالح , ومن للتبعيض أى أن بعض من آمن وعمل صالح , والهاء ضمير عائد عليهم أى عائد على اليهود والنصارى والمسلمين من كان هكذا فهو من المؤمنين لهم عند الله ” مغفرة وأجرًا عظيما ” أى غفران ما سبق ولهم منزلة عظيمة عند الله فى الآخرة جزاء إيمانهم .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.